الخميس 5 شوال 1446 هـ - 03 أبريل 2025

هل اختفى التضامن العربي مع فلسطين؟

أسوأ ما في المشهد الفلسطيني هو أنَّ العالم اعتاد على مشاهدة مجازر الأطفال المروعة، واعتاد على متابعة أخبار قتل المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، واعتاد أيضاً على قصف المستشفيات وهدم المساجد، والأماكن التي كان من المفترض أن تكون آمنة، ولم يعد الناس يتحركون أو يُعربون عن غضبهم مما يجري في قطاع غزة من مسلسل يومي للقتل والدم.
عندما ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرة المستشفى المعمداني يوم 17 أكتوبر 2023 انتفض الناس في شوارع العالم العربي والغربي، احتجاجاً على هذا الانتهاك الفظيع، وقبل تلك المجزرة وبعدها، كانت مسيرات مليونية تهز شوارع العالم، على أمل ان تشكل ضغطاً وأن تؤدي لحقن دماء المدنيين الأبرياء وتوقف آلة القتل الأعمى.
التفاعل العالمي مع ما يجري في فلسطين عموماً، وقطاع غزة على وجه الخصوص، لا يزال يحظى بزخم كبير نسبياً، وإن كان أقل من الشهور الأولى للحرب، لكنَّ الكارثة هي في الشارع العربي، الذي يكاد لا يكترث بما يجري في الأراضي الفلسطينية، ويكاد يخلو من التضامن والتعاطف، وأصبح الكثير من الدول العربية بلا أي فعاليات للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي بات يواجه وحيداً حرب إبادة غير مسبوقة.
ما حدث طوال الشهور الـ18 الماضية هو، أن العالم العربي شهد حملات تحريض ضد الفلسطينيين وشيطنة لهم، ومحاولة لإدانتهم وتحميلهم المسؤولية عما يجري لهم، وكانت هذه الحملات التي أغرقت شبكات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الاعلام التقليدية العربية ممنهجة ومرتبة ومقصودة، وتهدف إلى تقليل موجة التعاطف مع غزة والاعتزاز بها وبصمودها، كما تهدف أيضاً إلى تفتيت الصف العربي وجعل الفلسطينيين وحدهم في هذه المعركة دون أي ظهير ولا نصير. وامتدت حملات التحريض والتشويه والشيطنة في دول الخليج الى دعوة الناس إلى عدم التبرع، ولا المساهمة بإرسال المساعدات إلى قطاع غزة، عبر التشكيك بوصول هذه المساعدات، وعبر اتهام بعض الناشطين بسرقة الأموال، بل اتهام بعض فصائل المقاومة ممن ضحت بأبنائها من أجل فلسطين بأنها تفعل ذلك من أجل «التجارة بالقضية، ومن أجل الحصول على المال»، علماً بأن الذين استشهدوا وغادروا الحياة الدنيا لا يُمكن أن يستفيدوا من مال الدنيا بأكمله ولو جمعوه في حساباتهم. هذه الحملات للتحريض والشيطنة وتقليل التضامن يقف وراءها الإسرائيليون أنفسهم، وهي جزء من حربهم على غزة، ومن المعروف أن لدى جهاز الأمن الإسرائيلي وحدة متخصصة بشن حروبٍ إعلامية وإشعال فتن داخلية في أوساط العرب والفلسطينيين، وقد انكشف أمر هذه الوحدة التي تُدعى (8200) قبل سنوات قليلة فقط، وانكشفت عن طريق الخطأ هوية الجنرال الإسرائيلي الذي يديريها، وتبين بأن هذه الوحدة موجودة منذ عقود، بل منذ نشوء الدولة الإسرائيلية، وهي تعمل في هذا المجال منذ ما قبل ظهور الإنترنت، وما قبل شبكات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت الأكثر تأثيراً في الرأي العام اليوم.

التفاعل العالمي مع ما يجري في فلسطين عموماً، وقطاع غزة على وجه الخصوص، لا يزال يحظى بزخم كبير نسبياً، لكنَّ الكارثة هي في الشارع العربي، الذي يكاد لا يكترث بما يجري في الأراضي الفلسطينية

المؤسف في المشهد العربي هو، أن حملات التحريض والشيطنة تنجح في أهدافها، وترى أعداداً من الجهلة والأغبياء ينساقون خلفها، وترى بعض العرب المتأثرين بهذه الحملات يوجهون سهام اللوم الى الضحية دون الجلاد، وتجد البعض ينزلق نحو تصديق مقولة إن الفلسطيني كان من الممكن أن يعيش حياة أفضل لو لم تكن هناك مقاومة، أما في دول الخليج التي لطالما كانت مصدراً أساسياً للدعم المالي والمساعدات، فتجد الحملات هناك تركز على أن الفلسطينيين لم يعودوا يستحقون هذه المساعدات، على الرغم من صور المجاعة التي يتداولها الإعلام العربي والعالمي ووسائل التواصل يومياً!
من المؤسف والمحزن، بل من العار، أن تنجح حملات الدعاية الإسرائيلية في تحريض الشعوب العربية على بعضها بعضا، وأن تنجح في شيطنة الشعب الفلسطيني الذي هو ضحية للاحتلال، ومن المحزن جداً أن نرى تراجعاً في الدعم والتأييد والحشد في الشارع العربي، وأن يرى الفلسطينيون أنفسهم وحدهم في مواجهة الموت، دون أن يروا غضب أشقائهم العرب من حولهم.. وربما يكون هذا الحال هو النجاح الوحيد للاحتلال الاسرائيلي في حربه على الأمة.
كاتب فلسطيني

t>