الثلاثاء 3 شوال 1446 هـ - 01 أبريل 2025

حين تصبح الأمم المتحدة صدى للسردية الإسرائيلية

حين تصبح الأمم المتحدة صدى للسردية الإسرائيلية

منذ استأنف الكيان الصهيوأمريكي حرب الإبادة على غزة في الثامن عشر من شهر آذار/ مارس الحالي، عادت القضية الفلسطينية لموقع الاهتمام في مجلس الأمن، والمسؤولين الدوليين المعنيين، وأجهزة المنظمة الدولية الأخرى، خاصة المتعلقة بالشؤون الإنسانية. فقد عقد مجلس الأمن الدولي ثلاث جلسات في أسبوع واحد. ركزت الأولى على الوضع الإنساني، تحدث فيها توم فليتشر منسق الشؤون الإنسانية، والثانية وموضوعها الأسرى الإسرائيليون، حيث دعي إلى الجلسة، إيلي شرابي وهو أسير أطلق سراحه في عمليات التبادل، وعن الأمانة العامة تحدث خالد خياري الأمين العام المساعد لشؤون الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادي، وفي الجلسة الثالثة كان موضوع الاستيطان والممارسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، وتحدثت فيها سيغريد كاغ منسقة عملية السلام في الشرق الأوسط بالإنابة. بعض النقاط التي وردت على لسان المسؤولين الدوليين، تكاد تتماهى مع السردية الإسرائيلية، التي تعمل على إقحامها قناعة أو خوفا في خطابات المسؤولين الدوليين. لقد لاحظنا أن المنظومة الدولية بدأت تتعايش مع المجازر، وبياناتها لا ترتقي لمستوى الحدث الكبير، بل إن السردية الإسرائيلية بدأت تأخذ مكانها في الكلمات والبيانات الصادرة عن ممثلي الدول، بالإضافة إلى المسؤولين الدوليين، علما أن المجازر في الفصل الثاني من حرب الإبادة أشنع بكثير من الجولة الأولى.

سردية الكيان الصهيوني

هناك ثلاث نقاط ثابتة في الخطاب الإسرائيلي، التي تجد طريقها إلى بيانات المسؤولين الدوليين، تصريحا أو تلميحا، وإلى حد كبير في بيانات معظم ممثلي الدول خاصة دول النفاق الأوروبية:
– التاريخ والصراع بين الفلسطينيين والكيان يبدأ من 7 تشرين الأول/أكتوبر، ممنوع على الجميع التطرق إلى ما قبل هذا التاريخ. الجملة التي يكررها كل مسؤول دولي: «لا شيء يبرر العملية الإرهابية يوم 7 أكتوبر». مرة واحدة فقط ذكر الأمين العام غوتيريش في كلمة في مجلس الأمن يوم 24 أكتوبر 2023 حين قال «أحداث 7 أكتوبر لم تأت من فراغ»، فقامت الدنيا عليه، واتهموه بالتحيز، وبانفصاله عن الواقع وطلب منه السفير الصهيوني أن يستقيل. لقد كانت المرة الأولى والأخيرة. وما فتئ الأمين العام بعد ذلك اليوم، يردد في كل خطاب وكل مناسبة وكل بيان وكل تصريح صحافي جملة «لا شيء يبرر الأحداث المروعة أو العملية الإرهابية يوم 7 أكتوبر»، ويعتبرها نقطة البداية، دون الإشارة إلى ما قبلها من احتلال واستيطان واقتحامات وتهويد وعنف وقتل واقتحامات وهدم بيوت وتهجير واغتيالات وحروب طال غزة منها أربع حروب.
– حق إسرائيل في الدفاع عن النفس.. جوهر خطابات الدول الغربية وبعض المسؤولين الدوليين، وهو تصريح يقدم التبرير المباشر، أو غير المباشر لما ترتكبه إسرائيل من فظائع. لا أحد يثير مسألة مفهوم «حق الدفاع عن النفس» للشعب الواقع تحت الاحتلال وعدم انطباق حق الدفاع عن النفس على شعب واقع تحت احتلال ويرفض هذا الاحتلال الاستيطاني، ومن حقه مقاومته. كيف يجوز للدولة القائمة بالاحتلال أن تدافع عن احتلالها غير الشرعي ولا يجوز لشعب واقع تحت الاحتلال أن يدافع عن وجوده المهدد فعلا لا قولا.
– الحرب لن تتوقف إلا إذا هزمت حماس وحركات المقاومة تماما، باعتبارهم إرهابيين يستعملون المدنيين دروعا واقية يحتمون بهم، ولذلك لا تتحمل إسرائيل مسؤولية الضحايا من المدنيين. ولن يكون هناك أي دور لحماس في مستقبل غزة. كل من يخالف هذه القواعد، فهو إما مؤيد للإرهاب أو معادٍ للسامية أو كلاهما. ومن هنا يعتبر الكيان كل الفلسطينيين مذنبين، إما بدعم الإرهاب أو معاداة السامية.

وسأقدم في هذه العجالة ثلاثة أمثلة فقط. بيان الأمين حول مجزرة غزة: أفاق الناس صباح الثلاثاء 18 مارس الجاري، على مجزرة رهيبة، حيث استمر القصف في أنحاء متفرقة في قطاع غزة لساعات، دون انقطاع، ما أدى إلى مقتل نحو 406 وجرح أكثر من 500 فلسطيني. فكيف تعامل الأمين العام مع هذه المجزرة. أصدر بيانا صادما لا يرقى لمستوى الحدث. جاء في البيان أن الأمين العام يعرب «عن صدمته إزاء الغارات الجوية الإسرائيلية على غزة، التي أودت بحياة عدد مهم من المدنيين. ويناشد بشدة احترام وقف إطلاق النار، وإعادة إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، والإفراج عن الرهائن المتبقين دون قيد أو شرط». لقد خلا البيان من أي إدانة للمجزرة التي ارتكبتها إسرائيل في انتهاك صارخ لاتفاقية وقف إطلاق النار، التي تم التوصل إليها بوساطة أمريكية مصرية قطرية. وكل ما ذكر أنه «صدم» وهي كلمة لا تصف الحدث بمقدار ما تصف رد فعل المتكلم على الحدث. فهو لم يستخدم مفردات الإدانة أو الشجب أو تحميل المسؤولية لإسرائيل، أو المطالبة بالتحقيق في حجم قتل المدنيين، الذي زاد عدد الأطفال في تلك الجريمة عن 170 طفلا. فهل هذا الرد يمثل الوزن الأخلاقي والقانوني، الذي يمثله مكتب أمين عام المنظمة الدولية؟
بيان خالد خياري: في جلسة مجلس الأمن التي خصصت لمناقشة موضوع الأسرى الإسرائيليين بحضور أسير سابق، لم يبق أما خياري، الذي كان يوما سفيرا لبلد عربي، إلا أن يذرف الدموع على مأساة الأسرى الإسرائيليين، دون أي ذكر للآلاف من الفلسطينيين الذين يقبعون في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، حيث استشهد منهم على الأقل 28 شهيدا تحت التعذيب أو الإهمال الطبي، ومن بينهم الأطباء والمعلمون والموظفون وعمال الإغاثة والمدافعون عن حقوق الإنسان ومئات الأطفال والنساء. قال المسؤول الأممي إنه حتى اليوم، لا يزال ما لا يقل عن 59 رهينة، أحياء وأمواتا، رهن الاحتجاز لدى حماس وفصائل فلسطينية مسلحة أخرى، مشيرا إلى أن شهادات المفرج عنهم تقدم «رواياتٍ مروعة عن احتجازهم، بما في ذلك التعذيب الجسدي والنفسي، والعنف الجنسي، والحرمان، مما يشير إلى أن من تُركوا وراءهم لا يزالون يعانون في ظروفٍ مروعة، ويتعرضون للصدمات والمعاناة منذ اختطافهم». ولم ينس خياري أن يدين عرض نعوشَ القتلى «بما فيها نعشان لطفلين صغيرين قُتلا في الاحتجازعلنا خلال مراسم مُروِّعة انتهكت القانون الدولي». المهم بالنسبة لإسرائيل ذكر العنف الجنسي، الذي لم يثبت لحد الآن. بينما صدر تقرير شامل عما تعرضت له الأسيرات الفلسطينيات من عنف وانتهاكات جنسية.
في بيان مشترك صدر في 19 مارس عن المستشارة الخاصة بالإنابة، المعنية بمنع الإبادة الجماعية فيرجينا غامبا، والمستشارة الخاصة المعنية بمسؤولية الحماية مو بليكر، أعربتا فيه عن قلقهما البالغ إزاء التقارير الواردة عن غارات جوية إسرائيلية واسعة النطاق على قطاع غزة. « تُمثل هذه الغارات أول عمل عسكري كبير في المنطقة منذ وقف إطلاق النار قبل شهرين، حيث تشير التقارير الأولية إلى مقتل مئات الأشخاص وإصابة مئات آخرين». والمسؤولتان أمام هذا العمل العسكري الكبير الذي لا نعرف مصدره، أصيبتا بالقلق. ولماذا بيان مشترك؟ ألا يستحق الحدث بيانين منفصلين؟ البيان وصف ما حدث في غزة بـ»تصاعد العنف». فالمجزرة التي ذهب ضحيتها أكثر من 900 فلسطيني بين شهيد وجريح غالبيتهم من النساء والأطفال توصف عند المسؤولتين بأنها «عنف»، والعنف عادة يكون متبادلا. ثم حذرت المسؤولتان من أن «هذه التطورات تُنذر بتصعيد مُقلق ودراماتيكي لعنف ذي عواقب لا رجعة فيها. ومن الضروري إعطاء الأولوية العاجلة للضرورات المشتركة لعملية السلام، التي تُدمج جوانب الوقاية والحماية». كما أعربت المسؤولتان عن قلقهما العميق إزاء تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، وشاطرتا الأمين العام تعبيره عن «صدمته العميقة إزاء هذه التطورات».
الفاعل دائما غائب، ورد الفعل دائما يصف المتحدث وليس الحادث ويتراوح بين القلق والصدمة، والأرقام دائما مغيبة. هذا ما تريده إسرائيل. اللوم يقع على السفراء العرب الذين لا يبرزون هذ الحقائق في كلماتهم الروتينية، التي تندد وتشجب وتطالب وتدعو وتؤكد. وبانتظار جلسة جديدة ليكرروا الخطاب نفسه.