الدور الأمريكي .. العائق الأكبر أمام حل الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»

الدور الأمريكي .. العائق الأكبر أمام حل الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»

تأليف: جيرمي آر. هاموند عرض وترجمة: نضال إبراهيم

لماذا ظل السلام في الشرق الأوسط صعب المنال ومراوغاً إلى هذا الحد الكبير؟ ما العقبات الحقيقية أمام إنهاء الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»؟ لماذا يبدو الدور الأمريكي ملتبساً، وسلبياً في كثير من الأحيان؟ لا يقدّم هذا العمل الأجوبة عن هذه الأسئلة فقط، بل يوضّح أيضاً الأسباب التي تمنع المسؤولين الحكوميين الأمريكيين من الإدلاء بآرائهم على وسائل الإعلام الرئيسية التي يجدها مؤلف العمل متواطئة مع الاحتلال «الإسرائيلي». كما يوجه الكاتب جيرمي نداء إلى الأمريكيين للوقوف في وجه تغطية حكومتهم على جرائم ««إسرائيل»» بحق الفلسطينيين.

يوضح جيرمي هاموند في عمله هذا الأحداث الراهنة والعلاقات بين الولايات المتحدة و«إسرائيل»، مبيناً أن العائق الأكبر لعميلة السلام في الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي» هو الولايات المتحدة. ويركز هاموند على العديد من القضايا بشكل مفصل، خاصة ما يتعلق باللغة المستخدمة والأفعال المنافية لها فيما يتعلق بالدور الأمريكي الداعم ل«إسرائيل»، ويذهب في تحليل عالم اللغة المستخدم في الاتفاقيات المكتوبة أو غيرها، عبر وسائل الإعلام، والخطابات، والأحاديث العامة، كما يتوقف عند بنود القانون الدولي، حيث كل من الولايات المتحدة و«إسرائيل» تبرر أفعالها من خلال القانون الدولي، لكنهما في الحقيقة تفعلان ذلك، من خلال محاولة «إدارة التصورات»، وخلق «روايتهما» الزائفة.

الكتاب صادر حديثاً عن دار نشر «ورلد فيو بابليكيشن» في 538 صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي على عشرة أقسام، بعد تمهيد بقلم ريتشارد فولك ومقدمة بقلم جين إيبستين، وهي: صعود حماس في غزة، عملية الرصاص المصبوب، عملية السلام، بداية جديدة لأوباما، تقرير غولدستون، الالتزام بالجدية في عملية السلام، قتل في البحار العالية، العلاقة الخاصة، خدعة الدولة، مسألة فلسطين. خاتمة.

أكاذيب وانتهاكات مستمرة

مهد لهذا العمل ريتشارد فولك الذي شغل موقع المقرر الأممي لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويقول: «هناك إدراك عام كبير على مستوى العالم أن الدبلوماسية كما تمت ممارستها من ناحية حل الصراع «الإسرائيلي» الفلسطيني لأكثر من عقدين من الزمن، قد فشلت، على الرغم من أن المسألة كانت مشروعاً كبيراً للحكومة الأمريكية على مدى عقدين من الزمن. في الواقع، ما هو أسوأ من الفشل، أن هذه الدبلوماسية القائمة على المماطلة سمحت ل«إسرائيل»، من خلال المواجهة والسرية، أن تسعى من دون هوادة إلى تحقيق رؤيتها في «إسرائيل» الكبرى «تحت غطاء واقٍ وقاس من الدعم الأمريكي. خلال هذه الفترة، أصبح الموقف المحلي الفلسطيني على نحو مستمر يسير نحو الأسوأ. والمحنة الإنسانية للشعب الفلسطيني باتت أسوأ وأكثر حدة من أي وقت مضى».

ويضيف فولك: «إن الاعتراف بهذا الواقع غير المرضي دفع الحكومات الأوروبية بشكل متأخر إلى الشك بإذعانهم للقيادة الأمريكية في حل الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»، وأقنع المزيد من الناشطين الاجتماعيين في المجتمع المدني بالولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم إلى الاعتماد على تكتيكات التضامن غير العنيفة مع المقاومة الفلسطينية، وخاصة عن طريق حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات التي حققت زخماً كبيراً في السنة الماضية، وهي تقترب من نقطة مفصلية يبدو أنها تجعل القادة «الإسرائيليين» في حالة من الانفعال بشكل ملاحظ. كلا التحديين المذكورين للنهج الدبلوماسي لاتفاقية أوسلو مبني على اعتقاد أن «إسرائيل» أظهرت عدم رغبتها في التوصل إلى تسوية سياسية مع فلسطين على أساس تسوية تفاوضية حتى ضمن «عملية سلام» متحيّزة تشرف عليها الولايات المتحدة كوسيط مناصر ل«إسرائيل». في الواقع، لن يكون هناك حل للصراع من دون ممارسة ضغوط دولية أكبر على «إسرائيل» لتقليص طموحاتها في الأراضي الفلسطينية.

مثل هذا المشهد يعكس النظرة المؤثرة التي من شأنها استعادة الوسائل القسرية لحث الصهاينة والقادة «الإسرائيليين» في كل مكان على إعادة التفكير في خياراتهم السياسية إلى جوانب خطوط أكثر تنويراً».

يرى فولك أيضاً في تمهيده أن جيرمي هاموند يقدم في عمله هذا نهجاً مختلفاً، ويجده مصراً على أنه ليس فقط «عملية السلام» في أوسلو ظهرت أنها تشكل جسراً للاشيء، بل إن الحكومة الأمريكية تقف في تواطؤ إجرامي مع ««إسرائيل»»، حيث عارضت عن قصد وبشدة أي خطوة من شأنها أن تقود إلى تأسيس دولة فلسطينية مستقلة. ومثل هذا التقييم يفرض تحدياً مباشراً للهدف المفترض لهذه المفاوضات، وهو حل الدولتين المؤكد بشكل عالمي. حتى أن بنيامين نتنياهو، في وقت ما، اقرّ بشكل ما الموافقة على إقامة دولة فلسطينية، على الرغم من أنه في حرارة حملة انتخابية في مارس/آذار 2015، أظهر وجهه الحقيقي لل«إسرائيليين» من خلال وعده أنه لا دولة فلسطينية يمكن أن تتحقق طالما أنه يشغل موقع رئاسة الوزراء.

وما عزز نفاق نتنياهو هو تعيين داني دانون المعارض المتطرف لإقامة دولة فلسطينية منذ فترة طويلة، كسفير «إسرائيلي» في الأمم المتحدة، ما شكل صفعة أخرى في وجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما. في هذا الجانب، كانت الولايات المتحدة هي التي سعت لإبقاء الوعد المعطوب لعملية السلام في أوسلو على قيد الحياة من خلال الإصرار على أنه الطريق الوحيد والأخير لإنهاء الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي».

علاقة خاصة

يشير الكتاب إلى أن الرؤساء الأمريكيين في العقود الأخيرة سعوا بكل جهدهم إلى وضع عوائق أمام عملية إنهاء الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»، والحكومة الأمريكية انضمت إلى «إسرائيل» في جهودها لنبذ كل أشكال الضغوط الدولية لتغيير الواقع الحالي للاحتلال، من بينها المبادرات الفلسطينية للاعتراف بها كدولة كاملة العضوية في نظام الأمم المتحدة أو من خلال السعي إلى حلول لمظالمهم من خلال اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ويبين الكتاب أن الولايات المتحدة ساعدت «إسرائيل» على استخدام عملية السلام في أوسلو كعملية تأخير من شأنها أن تعطي «تل أبيب» الوقت لتقويض كل التوقعات الفلسطينية بالانسحاب «الإسرائيلي» ونيل الحقوق السيادية الفلسطينية. ويوضح أن الفكرة «الإسرائيلية» هي أن ترمي بكل الحقائق جانباً سواء في مسألة المستوطنات أو شبكة الطرق الخاصة لليهود أو جدار الفصل العنصري وغيرها، لفرض حل الدولة «الإسرائيلية» المفروضة من جانب واحد يكون فيها الفلسطيني مواطناً من درجة ثالثة.

يؤكد هاموند في عمله أن «إسرائيل» لا يمكن أن تنفذ هذه المخططات في الاستيلاء على الأراضي المحتلة من الضفة الغربية والقدس الشرقية من دون الفوائد التي تتلقاها من «العلاقة الخاصة» مع الولايات المتحدة. ويفضح الواقع الشنيع والغادر الذي تلعب فيه الولايات المتحدة دوراً كبيراً، ففي الوقت الذي تدعي فيه واشنطن أنها تفاوض لإنشاء دولة فلسطينية، تقوم بكل شيء في إطار نفوذها لضمان أن «إسرائيل» تملك ما يكفي من الوقت لجعل الأمر أقرب ما يكون من المستحيل على الصعيد العملي. ويبين أن الدور الأمريكي يضمن الوقوف في وجه كل أشكال التوبيخ من الأمم المتحدة على انتهاكات «إسرائيل» المتكررة للقانون الدولي، خاصة مع تزايد الأدلة التي تبين بوضح سلسلة الجرائم التي ترتكبها بحق الإنسانية.

إعلام متواطئ

يوضح هاموند أن الإعلام في الولايات المتحدة يدعم الدور الأمريكي في مسألة الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»، خاصة صحيفة «نيويورك تايمز» التي تنسجم مع آلة الدعاية «الإسرائيلية»، إذ تصور أن الولايات المتحدة تبذل كل شيء ممكن لتحقيق حل في وجه الرفض الفلسطيني المتصلب.

ويهدف هاموند، من خلال تحليله للإعلام الأمريكي وكيفية تداوله هذا الصراع، إلى إيقاظ الشعب الأمريكي على ما يحدث من تضليل، مطالباً إياهم ببذل ما يمكن لتحدي هذه العلاقة الخاصة، واستبدالها بقيم العدالة والمصالح المشتركة التي تنسجم مع القيم الأمريكية والإنسانية الأصيلة، خاصة أنه يقدم العديد من الأدلة والأمثلة المتعلقة بالممارسات «الإسرائيلية» بحق الفلسطينيين والموقف الأمريكي الملتبس إزاءها، من أبرزها ما حدث في غزة من جرائم خلال سلسلة حروب شنها الاحتلال «الإسرائيلي» وخلّف ضحايا من المدنيين، وتهديم لمنازلهم، وتشريد الآلاف منهم، وكل ذلك على أمل تعبئة الرأي العام لإنتاج مناخ سياسي جديد يضطر فيها الرؤساء المنتخبون للسير وفق إرادة الشعب، والقيام بما يجب العمل به على الطريقة الأنسب، من موقعها كقوة عظمى، وبناء على القيم الأمريكية التي تعزز مفاهيم العدالة والمساواة والحرية.

ويبين أنه عند الإخلال بهذه «العلاقة الخاصة»، لا يمكن ل«إسرائيل» بأي شكل من الأشكال أن تستمر في سياستها الإجرامية بحق الفلسطينيين، ولن يكون هناك ما يقف عقبة أمام السلام مع تغيير موازين القوى، ومواجهة «إسرائيل» لحقائق جديدة على أرض الواقع، ما يمهد لحصول الفلسطينيين على حقوقهم في دولة ذات سيادة.

يتجاوز الكتاب في كونه يتناول الصراع الدور الأمريكي في الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»، إلى مناقشة دمار الثقة في العلاقة بين الحكومة الأمريكية ومواطنيها، والفشل الكارثي للإعلام في عمله كوصي على الحقيقة في تنفيذ واجباته الصحفية بطريقة تناسب المجتمع الحر.

سياسات إجرامية

يقول هاموند في خاتمة الكتاب: «منذ أن تم الاعتراف بفلسطين كدولة من قبل الأمم المتحدة، لم يتوقف الحصار على غزة والعنف بحقها، من بينها هجمة عسكرية كاملة النطاق شنتها «إسرائيل» ضد قطاع غزة تجاوزت عملية الرصاص المصبوب في المدة وفي عدد الوفيات. قتل فيها 2192 فلسطينياً، على الأقل 1523 منهم – أكثر من الثلثين – كانوا من المدنيين، من بينهم 287 امرأة و512 طفلاً. العملية التي استمرت لخمسين يوماً سميت «الحافة الوقائية» شنتها «إسرائيل» في 8 يوليو/تموز 2014، وانتهت بوقف إطلاق النار في 26 أغسطس/آب. مرة أخرى، وجّه الإعلام الأمريكي باللائمة إلى الفلسطينيين، على الرغم من أن واشنطن أدركت قدرتها المحدودة هذه المرة لإدارة التصورات، وانضمت إلى بقية العالم لانتقاد «إسرائيل» على قصف مدارس تابعة للأمم المتحدة»

ويضيف: «في الوقت الراهن، هناك تقسيم لا حدود له بين داعمي الحقوق الفلسطينية حيال مسألة إذا ما كان حل الدولة الواحدة أو الدولتين هو المفضل. إذا ما كان الحل لدولة ديمقراطية واحدة هو المفضل، فالخطوة الأولى نحوها هي إدراك ضرورة تنفيذ حل الدولتين بالتوافق مع الإجماع الدولي. القبول بدولة مؤلفة من 22 في المئة من فلسطين السابقة تشمل غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، يجب ألا يشكل تنازلاً عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين لإعادتهم إلى موطنهم، ومن غير الواقعي التركيز على تحقيق ممارسة ذلك الحق، طالما أن الاحتلال ونظام المستوطنات ما زال مستمراً. فقط حينما ينتهي الاحتلال وتتخلى الحكومات العالمية عن دعم العنصرية، ويتحقق استقلال فلسطين، من الممكن أن يأتي التركيز على تحقيق حل عادل لمشكلة اللاجئين بفرصة حقيقية مثمرة. فقط حينما يمارس الفلسطينيون سيادتهم، وتكون لديهم القوة السياسية المطلوبة، يجوز العمل على إعادة اللاجئين الذين لا يزالون يعيشون على أمل العودة، ومطالبة «إسرائيل» بتعويض ضحايا التطهير العرقي».

كما يشدد في نهاية كتابه على ضرورة أن يتحمل الأمريكيون المسؤولية حيال ما تقوم به حكومتهم إزاء هذا الصراع، وأن يوجهوا جهودهم بشكل جماعي للتركيز على فضح الأكاذيب التي ينادي بها الإعلام الأمريكي، ولا بد للحقيقة أن تظهر، وأن يدفعوا الحكومة الأمريكية لعدم التورط في إراقة المزيد من الدماء، ودعم الاحتلال، وإزالة كل العوائق التي يمكن أن تقف في وجه عملية السلام في الشرق الأوسط بشكل عام.

ويقول الكاتب في آخر سطرين موجهاً كلامه للقراء الأمريكيين: «إن الأمر يعود لكم في كيفية استخدام المعرفة وأي تصور رأيتموه بين دفتي هذا الكتاب للمساعدة على إزالة العائق الأكبر الوحيد أمام حل سلمي وهو: السياسات الإجرامية لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية».

المصدر

http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/a7d0a84b-83ff-4d2f-b370-e276a94479fd#sthash.zlfWvFRx.dpuf

انهيار الأحزاب التقليدية في أوروبا

تقف الأحزاب التقليدية يمينية واشتراكية ديموقراطية (يسارية) المتناوبة على الحكم في أوروبا منذ عقود عاجزة أمام خطر ذوبان وتبخر قواعدها الشعبية، وهي ظاهرة بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي، وتسارعت وتائرها خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في سياق تزايد مظاهر الاستياء والغضب والقرف وفقدان الصدقية والثقة بهذه الأحزاب بسبب فشلها المستدام في التصدي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتفشي الفساد في مؤسسات الحكم والتي تتفاقم مع تعمق العولمة وما احدثته من تغيّرات وتأثيرات وارتدادات عاصفة في المجتمعات الأوروبية.
ووفق مجلة «ايكونوميست» فإن «الانتماء إلى حزب سياسي لم يكن ابداً أسهل وأرخص ثمناً مما هو عليه الآن، فقيمة اشتراك العضوية في الحزب الاشتراكي الفرنسي لا تتعدى مبلغ العشرين يورو في العام، ويبلغ الاشتراك السنوي في حزب المحافظين البريطاني 25 جنيهاً فقط، هذا فيما لا تشترط الكثير من الحركات والتنظيمات السياسية الجديدة على منتسبيها دفع اشتراك سنوي مقابل العضوية، فحزب الشاي الأميركي الذي مثل حالة تمرد على الاستابلشمنت في الحزب الجمهوري على سبيل المثال جعل الانضمام له مقتصراً على التسجيل في موقعه على الانترنت. وترى الاستاذة في جامعة لايدن الهولندية انغريد فان بزين «أن العوامل التي ساهمت في صعود دور الأحزاب التقليدية لم يعد لها وجود، واحتمالات بروزها مجدداً تبدو ضعفية للغاية». وتشير نتائج دراسة أعدها معهد دراسات الديموقراطية في صوفيا الى تقلص العضوية في هذه الأحزاب خلال السنوات العشر الأخيرة في ألمانيا بنسبة 20 في المئة، وفي السويد 27 في المئة وفي النرويج 29 في المئة، وفي بريطانيا 36 في المئة». ويتضح من استطلاع أجراه مركز «سيفيبوب» الفرنسي للأبحاث السياسية في «سيانس بو» أن «12 في المئة من الفرنسيين ليست لديهم ثقة بالأحزاب السياسية القائمة»، فيما رأى 67 في المئة ان الديموقراطية في فرنسا تتعثر ولا تتحقق في شكلها الأمثل. إلا أن دراسة أخرى نشرت نتائجها أسبوعية «كابيتال» الصادرة في صوفيا كشفت عن ثبات قوة ودور هذه الأحزاب في النمسا، وزيادة طلبات العضوية في إيطاليا وذلك في شكل يترافق مع ظهور حزب «رابطة الشمال» يتبنى توجهاً عنصرياً معادياً للمهاجرين والأجانب والعولمة.
أما في الولايات المتحدة حيث يتمتع السكان بحرية التعبير عن ميولهم الحزبية عند تسجيل أسمائهم في اللوائح الانتخابية، فلقد لوحظ حصول ارتفاع ملموس في أعداد الناخبين المتهربين عن تسجيل انتماءاتهم الحزبية مفضلين وصف انفسهم بـ «المستقلين» إذ وصلت نسبتهم الى رقم قياسي هو 40 في المئة، بما يمثل برأي الباحث في مركز دراسات الديموقراطية «حالة جديدة غير مألوفة، لأن حصة الناخبين المستقلين تشهد عملياً خلال الانتخابات الرئاسية انخفاضاً». وذكرت «كابيتال» نقلاً عن نتائج استطلاع للرأي أجري في الولايات المتحدة العام 2012» أن نسبة المسجلين كمستقلين في الولايات المتحدة ارتفعت الى 44 في المئة بزيادة قدرها 9 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها خلال الحملة الانتخابية العام 2008.
يرى المحلل الفرنسي جان –بابتيست دي مونفالون «أن الأحزاب المهيمنة لم تخسر مكانتها، ولكنها تمسك بمقاليد حياة سياسية عبثية، ما يؤدي الى أزمة مجتمعية، وهو ما تستغله الأحزاب الشعبوية للترويج لفكرة التخلص من كل وسيط بين الشعب والسلطة، داعية الى «نقاش مباشر» مع الشعب».

فردية وحراك عفوي
تعيش المجتمعات الغربية الآن في زمن الفردية والحراك العفوي المتبدل والذي يتجسد في تغير السلوك الاجتماعي والعائلي والانتخابي، في وقت تتمسك وتحافظ الأحزاب التقليدية على نهج يعود الى فترة تشكلها وظهورها في مرحلة الثورة الصناعية التي كانت مجتمعاتها مختلفة عن مجتمعات العولمة الحالية جذرياً. ويقول استاذ العلوم الاجتماعية في جامعة بولونيا بييرو إيغناتسي: «لم يبقَ من هذا الزمن الآفل، حين كان الحزب يمثل رحم الهوية والثقافة السياسية غير صور متقادمة وباهتة الألوان» إذ «تلح المجتمعات ما بعد الصناعية على أن يقوم كل شخص بإعلان ميزاته وتفوقه العلمي أو المهني وغيره». وخلصت دراسة أعدتها مؤسسة جان – جوريس قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة الى «أن أكثر من ثلثي الناخبين (في عينة الدراسة) عدلوا عن انتخاب مرشح من المرشحين قبل ستة أشهر من الانتخابات». ويرى مدير مركز الدراسات الدولية والبلقانية، واستاذ العلوم السياسة في جامعة صوفيا البروفسور اوغنيان منتشيف ان «انهيار الأحزاب التقيلدية في أوروبا يرتبط بمجموعة من العوامل تبلورت خلال العقود الأخيرة، أولها: تقدم العولمة تحت هيمنة سياسة السوق النيوليبرالية، بحيث أن السياسة الاقتصادية لم تعد تمثل سباقاً بين اليمين واليسار، بل صفقات او توافقات بين جميع الأحزاب السياسية بغض النظر عن توجهاتها الايديولوجية تتماشى مع منطق وآليات السوق المعولم، وبهذا فإن هذه الأحزاب أصبحت في عيون الناخبين متشابهة، بل وحتى متواطئة في ما بينها ضده ومتنكرة عملياً لما تتبناه وتروج له من برامج اقتصادية واجتماعية. وثانياً: ان كل الأحزاب في أوروبا أخضعت اختلافاتها الايديولوجية لمبادئ ومفاهيم ما بعد الحداثة الليبرالية التي تتأسس على مفهوم التعددية الثقافية، والمحاباة السياسية، وعلى رغم أن هذا يعبر عن حالة متطورة في الإنسانية في الغرب من احترام وصيانة الحقوق والكرامة الانسانية، لكنه برأي أفراد وفئات وهيئات دينية أخذ يتعدى الحدود المقبولة اخلاقياً ودينياً، إضافة الى أن الأعداد الكبيرة من اللاجئين والمهاجرين الذين لاذوا بأوروبا يرفضون الاندماج في مجتمعاتها واحترام قيمها وثقافة المجتمعات الغربية التي وفرت لهم الحماية وحقوق المواطنة والكرامة الانسانية التي حرمتهم منها حكومات بلدانهم. ثالثاً: موافقة الأحزاب الأوروبية ضمنياً على أن يكون التمثيل الديموقراطي على المستوى الوطني في المؤسسات الأوروبية مقتصراً على البرلمان الأوروبي المنتخب، فيما الحكومات الوطنية هي التي تختار وتنتدب ممثليها الى المفوضية الأوروبية التي تمثل الحكومة الأوروبية التي مقرها بروكسيل وهي التي تتخذ القرارات التي يجب أن تلتزم بها الحكومات الوطنية في الدول الأعضاء، ما يعني عملياً أن النخب السياسية الوطنية تعقد الاتفاقات في ما بينها من دون مشاركة المواطنين وتتخذ قرارت تكون في كثير من الأحيان متناقضة مع رغباتهم».

استبداد الزعماء
تنبهت هذه الأحزاب الى التحديات والأخطار التي تواجهها وسارعت الى إنشاء مراكز بحوث فكرية وسياسية وجيـــوسيـــاسيـة واستـــراتيــجــيــة تتولى مهمة البحث في أوضاعها التنظيمية ومنظومات أفكارها وأنظمتها الداخلية وبرامجها العامة في محاولة لاكتشاف الاختلافات والفروق بين الأحزاب الجديدة الناهضة. إلا أن الشيء الذي لم تدركه قيادات هذه الأحزاب ويعد معضلتها الأساسية برأي غالبية المحللين هو عدم قدرتها على التكيف مع عالم مجتمع الاتصالات وشبكات التواصل الاجتماعي، وإخفاقها في التقاط وفهم آليات التشظي الحاصل في المجتمعات الغربية وغلبة الفردية في السلوك بفعل العولمة التي تسببت في حدوث قطيعة مع الأواصر التقليدية التي كانت برأي مدير مركز الأبحاث التاريخية في سيانس بو، مارك لازار» تجمع الأفراد تحت رايات الديانة او الطبقات الاجتماعية او الحرف المهنية». ويقول: «أن الأحزاب تمثل الجماعة وهذه تناثرت وتفرقت، ذلك أن النموذج القديم المألوف المتمثل في العائلة، البيت، وتوريث المهنة من الأب الى الابن والحفيد كان يتطابق مع الأشكال السياسية المتناغمة مع مجموعات متجانسة من الناحية الاجتماعية قد انتهى عملياً». وينبه دارس الاجتماعيات الايطالي الألماني الأصل روبرت ميشلز الى مسألة في غاية الأهمية وهي «ميل الأحزاب الى مصادرة السلطة» محذراً مما سماه «تنامي النزعات في الأنظمة الديموقراطية الى الاوليغارشية ما يجعل الناخبين يخشون من احتمال أن تغدر الأحزاب بهم وتكف عن تمثيلهم في الحكم وتذهب لعقد صفقات على حسابهم لتحقيق مأربها ومصالحها، والإساءة الى الأمانة».

النيوميديا وأمزجة الناخبين
تراكمت لدى الفئات المجتمعية المتعددة خلال العقود الأخيرة هواجس ومخاوف انتقلت مع ظهور النيوميديا وانفلات السيطرة والتحكم في أمزجة الرأي العام عبر وسائل الإعلام التقليدية التي تمولها وتوجهها الأحزاب بدعم من الاوليغارشية التي تعد من الناحية العملية الحاكم الفعلي من وراء الكواليس الذي يغذي انحرافات السياسيين وينشر الفساد بين المسؤولين في الدولة والسلطة والمؤسسة القضائية ويزيد من تحديهم لسلطة وسيادة القانون، هذا كله أدى الى فيضان الغضب الشعبي الذي وجد في وسائل التواصل الاجتماعي سلاحه الوحيد وهو الأعزل في مواجهة الحكام والساسة الفاسدين.
يقول البروفسور روسيل دالتون من (University of California,Irvine ) أن «السياسيين قبل 40 سنة كان بوسعهم الاعتماد على وسائل الاعلام الكلاسيكية، وهذا لم يعد ممكناً مع ظهور الإنترنت وما يوفره من امكانات امام كل سياسي مغمور او اي شخص يرغب في خوض المعترك السياسي ويجد الكثير من الناخبين انه المفضل للتعبير عما ينتابهم من مشاعر وهموم ومطالب مقارنة بالسياسين من الأحزاب التقليدية».
شهدت الأحزاب السياسية في أوروبا تحولات أساسية وهيكيلة جذرية على صعيدي التأسيس والأفكار، حيث برز نموذج الحزب الشعبي بعد الحرب العالمية الثانية ليمثل ويضم في صفوفه شبكة واسعة من الفئات الاجتماعية في الدول الغربية، وهذا حصل تحت تأثير التبدلات الاجتماعية والاقتصادية الحاصلة بقوة اقتصاد المعلومات (information economy) والعولمة. ويشير الباحث فلاديمير شوبوف من (Bulgarian Institute of International Affaris ) الى «ان غياب الاجماع اوالتوافق حول الحد الأدنى من القرارات السياسية المصيرية في ما يخص الملكية المختلطة للاقتصاد ومعايير الرفاه الاجتماعي والوحدة الأوروبية يعد من بين العوامل التي ساهمت في أزمة الأحزاب التقليدية، فضلاً عن أن السنوات العشر الأخيرة شهدت عمليات سياسية متواصلة أسفرت عن بروز مؤشرات محسوسة تدل على ميل المجتمعات الى الولاءات القومية الضيقة كما شاهدنا في تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي وتصويت الأميركيين الى الشعبوي ترامب، وهزيمة ائتلاف مركل أمام حزب «البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي الذي لم يتعدَ عمره ثلاثة اعوام، وذلك في انتخابات بعض الأقاليم التي أجريت قبل أشهر معدودة، وقبل ذلك ظهور حركات مماثلة في بولندا وهنغاريا وفرنسا وبلغاريا وغيرها. ويضيف: «من سمات تلك الدلائل على سبيل المثال الارتداد الى حالة التشوش الاقتصادي التي سببتها العولمة وتسونامي المهاجرين واللاجئين من الشرق الأوسط وأفريقيا ومن بعض دول أوروبا الشرقية والبلقان التي تعاني هي الأخرى الفشل بعد أكثر من عقدين على سقوط الأنظمة الشيوعية، كذلك جرائم داعش الإرهابية».د

المصدر