القوة الحقيقية الدافعة لإصدار وعد بلفور

القوة الحقيقية الدافعة لإصدار وعد بلفور

آفي شليم

كان إعلان (وعد) بلفور، الذي صدر في الثاني من نوفمبر 1917، وثيقة قصيرة غيرت مجرى التاريخ. ألزمت الوثيقة الحكومة البريطانية بتأييد إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، شريطة ألا يؤتى بشيء من الأفعال التي قد تؤدي إلى “الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين.”

حينها، كان اليهود يشكلون 10 بالمئة من سكان فلسطين: ستون ألف يهودي مقابل ما يزيد قليلا على ستمئة ألف عربي. ومع ذلك اختارت بريطانيا الاعتراف بحق تقرير المصير الوطني للأقلية الصغيرة، وإنكار ذلك الحق للأغلبية التي لا جدال فيها. وكما قال الكاتب اليهودي آرثر كوستلر: لدينا هنا شعب يعد شعبا آخر أرض شعب ثالث.

بعض السرديات المعاصرة تعرض إعلان بلفور كما لو كان لفتة إيثار متجردة، بل وحتى كما لو كان مشروعا مسيحيا نبيلا، قصد منه مساعدة شعب قديم في إعادة إنشاء حياته القومية في أرض أسلافه. تنبع مثل هذه السرديات من الرومانسية المتأثرة بروايات الكتاب المقدس لدى بعض المسؤولين البريطانيين وكذلك انطلاقا من تعاطفهم مع معاناة يهود أوروبا الشرقية.

إلا أن الدراسات العلمية التي أنجزت لاحقا ترى أن المحفز الرئيس لإصدار الإعلان كان حسابات ماكرة تتعلق بالمصالح الإمبريالية البريطانية. ساد الاعتقاد حينها، وثبت أنه اعتقاد خاطئ فيما بعد، بأن مصالح بريطانيا يمكن أن تخدم على أحسن وجه من خلال التحالف مع الحركة الصهيونية في فلسطين.

كانت فلسطين تتحكم بخطوط اتصال الإمبراطورية البريطانية مع الشرق الأقصى، وكانت فرنسا -حليف بريطانيا الرئيسي في الحرب ضد ألمانيا- تنافس بريطانيا هي الأخرى في السعي لبسط النفوذ على فلسطين.

وكان البلدان أقدما بموجب اتفاقية سايكس بيكو، التي أبرمت في عام 1916، على تقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ بينهما، لكنهما توافقا على وضع فلسطين تحت إدارة دولية. وكان البريطانيون يأملون من خلال مساعدة الصهاينة في الاستيلاء على فلسطين في أنهم سيتمكون من ضمان جود مهيمن لهم في المنطقة ينجم عنه إقصاء الفرنسيين. ولذلك أطلق الفرنسيون على البريطانيين عبارة “الإنجليز الغادرون”، وكان إعلان بلفور هو المثال الأول لهذا الغدر الذي لم يتوقف.

ضحايا بلفور الرئيسيين

إلا أن ضحايا بلفور الرئيسيين لم يكونوا الفرنسيين، وإنما عرب فلسطين. كان الإعلان وثيقة استعمارية أوروبية تقليدية نسجها معا مجموعة صغيرة من الرجال تهيمن على عقولهم الذهنية الاستعمارية، وصيغت بأسلوب تجاهل تماما الحقوق السياسية للأغلبية العظمى من السكان الأصليين.

لم يبذل وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور أدنى جهد لإخفاء ازدرائه للعرب. فقد كتب في عام 1922 يقول: “الصهيونية، سواء كانت صوابا أم خطأ، حسنة أم سيئة، تعود في جذورها إلى تقاليد موغلة في القدم، وتمثل احتياجات الحاضر وآمال المستقبل لما هو أعمق وأهم بكثير من رغبات وتحيزات سبعمئة ألف عربي يقطنون الآن تلك الأرض العتيقة.” لا يمكنك أن تجد تفسيرا أبلغ لذلك مما عبر عنه إدوارد سعيد بعبارة “المعرفية الأخلاقية للإمبريالية”.

كان بلفور أرستقراطيا إنجليزيا ضعيف الهمة واهن العزم، وكانت القوة الحقيقية الدافعة وراء إصدار الإعلان تتمثل ليس في شخص بلفور وإنما في شخص دافيد لويد جورج، المتطرف الويلزي والخطيب الناري المفوه الذي كان حينها يترأس الحكومة البريطانية. كان لويد جورج في مجال السياسة الخارجية بريطانيا امبرياليا من النمط التقليدي والقديم، وكان مغرما بالاستيلاء على أراضي الغير. ومع ذلك، لم يكن دعمه للصهيونية منطلقا من تقدير سليم للمصالح البريطانية وإنما من جهل مدقع: كان معجبا باليهود ولكنه كان يخشاهم، ولم يدرك في حينه أن الصهاينة لم يكونوا سوى شرذمة قليلة ضمن أقلية صغيرة.

وكان من خلال تحالفه مع الحركة الصهيونية ينطلق من وجهة نظر خاطئة، ومعادية للسامية في نفس الوقت، مفادها أن اليهود كانوا في منتهى النفوذ والهيمنة وأنهم كانوا القوة التي تدير عجلة التاريخ. بينما في واقع الأمر، كان اليهود في وضع بائس، لا حول لهم ولا قوة، ولا يملكون من النفوذ إلا ما حاكته أساطير تحدثت عن سلطان خفي نسب إليهم أو نسبوا إليه زورا وبهتانا.

باختصار، كان الدعم البريطاني للصهيونية في زمن الحرب العالمية الأولى ينبع من سلوك استعماري مستكبر تجاه العرب، ومن انطباع خاطئ عن اليهود يرى أنهم باتوا قوة عالمية.

واجب مزدوج

ضاعفت بريطانيا من خطيئتها الأولى عندما بادرت إلى دمج بنود إعلان بلفور في وثيقة الانتداب على فلسطين، والتي صدرت عن عصبة الأمم في ذلك الوقت. فما كان مجرد وعد من قوة عظمى إلى حليف صغير أصبح الآن وثيقة دولية ملزمة من الناحية القانونية.

ولنكون أكثر دقة، يمكننا القول بأن بريطانيا بوصفها القوة المنتدبة بالوصاية على فلسطين حملت على كاهلها التزاما مزدوجا: مساعدة اليهود في إقامة وطن قومي في كل فلسطين التاريخية وفي نفس الوقت حماية الحقوق المدنية والدينية للعرب. أنجزت بريطانيا الالتزام الأول ولكنها أخفقت في الوفاء في الالتزام الثاني رغم تفاهته وانعدام قيمته.

لا يمكن لأحد أن يجادل في أن بريطانيا مذنبة بممارسة النفاق والازدواجية والخداع. إلا أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح الآن هو: هل عادت هذه السياسة اللاأخلاقية على بريطانيا بمكاسب حقيقية؟ إجابتي القطعية على هذا السؤال هي: لا لم تعد عليها بشيء مفيد على الإطلاق.

لقد كان إعلان بلفور عبئا كبيرا أثقل كاهل بريطانيا منذ أن بدأ الانتداب وإلى أن وصل إلى نهايته المخزية في مايو / أيار من عام 1948.

ظل الصهاينة يدعون بأن كل ما فعلته لهم بريطانيا خلال فترة الحرب لم يرق إلى ما ورد في الوعد الأصلي الذي قطعته على نفسها لهم. وزعموا كذلك بأن الإعلان كان يقتضي دعم قيام دولة يهودية مستقلة. رد على ذلك المسؤولون البريطانيون بالقول إنهم إنما وعدوا اليهود وطنا قوميا فقط، وأن الوطن والدولة ليسا شيئا واحدا. كسبت بريطانيا في تلك الأثناء ليس فقط عداوة الفلسطينيين بل وعداوة ملايين العرب والمسلمين حول العالم.

في كتابها القيم “لحظة بريطانيا في الشرق الأوسط” Britain’s Moment in the Middle East، قدمت إليزابيث مونرو حكما متوازنا حول ما جرى، إذ تقول: “إذا أردنا أن نقيس ما جرى فقط من خلال المصالح البريطانية، فقد كانت تلك من أفدح الأخطاء التي ارتكبناها في تاريخنا الإمبريالي.”

يمكن للمرء من خلال الإدراك المتأخر أن يخلص إلى أن إعلان بلفور كان في الواقع سقطة استراتيجية هائلة.

كانت ثمرته النهائية هي تمكين الصهاينة من الاستيلاء على فلسطين، وهو استيلاء مازال حتى يومنا هذا يأخذ شكل توسع استيطاني غير قانوني ولا يعرف الشفقة في كل أنحاء الضفة الغربية على حساب الفلسطينيين.

الذهنية المتجذرة

أخذا بالاعتبار ذلك السجل التاريخي، قد يتوقع المرء أن يجد القادة البريطانيين يطأطئون رؤوسهم خجلا وشعورا بالذنب وأن يلمس منهم النأي بأنفسهم عن الإرث البغيض لذلك الماضي الاستعماري. إلا أن آخر ثلاثة رؤساء وزراء من الحزبين السياسيين الرئيسين -طوني بلير، وغوردون براون، ودافيد كاميرون- كلهم عبروا عن تأييدهم الشديد لإسرائيل وتجاهلهم التام للحقوق الفلسطينية.

أما رئيسة الوزراء الحالية تيريزا ماي، فهي أكثر الزعماء في أوروبا تأييدا لإسرائيل وحماسة لها. ففي خطاب ألقته في ديسمبر / كانون الأول أمام جمعية أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين، والتي ينتسب إليها ما يزيد عن ثمانين بالمئة من نواب حزب المحافظين وكافة أعضاء الوزارة، أشادت بإسرائيل واصفة إياها بـ “البلد الرائع” وبأنها “منارة للتسامح”.

وفيما يتعلق بإعلان بلفور، راحت تفرك الملح في جروح الفلسطينيين واصفة إياه بأنه “واحد من أهم الخطابات التي كتبت في التاريخ”، ووعدت بأن تنظم احتفالا بمناسبة ذكراه المئوية.

وكان 13,637 شخصا -بمن فيهم كاتب هذا المقال- قد وقعوا على عريضة تطالب الحكومة بالاعتذار عن وعد بلفور، فردت الحكومة عليهم بالتصريح التالي:

“إن إعلان بلفور بيان تاريخي لا تنوي حكومة صاحبة الجلالة الاعتذار عنه، بل نحن فخورون بالدور الذي لعبناه في إقامة دولة إسرائيل.

كان الإعلان قد حرر في عالم يشهد تنافسا بين القوى الإمبريالية، في أوج الحرب العالمية الأولى وفي ساعة أفول شمس الإمبراطورية العثمانية. في مثل هذا السياق، كان تأسيس وطن للشعب اليهودي في الأرض التي ربطتهم بها أواصر تاريخية ودينية قوية هو الإجراء الصائب والأخلاقي، وخاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار ما عانوه لقرون من اضطهاد.

لقد وقعت كثير من الأحداث منذ عام 1917، ونحن ندرك بأنه كان ينبغي على الإعلان أن يطالب بحماية الحقوق السياسية للمجتمعات غير اليهودية في فلسطين، وخاصة فيما يتعلق بحقها في تقرير المصير. إلا أن ما هو مهم الآن هو التطلع إلى الأمام وتوفير الأمن والعدل للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء من خلال تحقيق السلام الدائم.”

من الواضح، وبالرغم من مرور قرن من الزمن، أن الذهنية الاستعمارية للنخبة السياسية البريطانية مازالت متجذرة بعمق. إذ مازال الزعماء البريطانيون المعاصرون، مثلهم في ذلك مثل أسلافهم في زمن الحرب العالمية الأولى، يشيرون إلى العرب على أنهم “المجتمعات غير اليهودية في فلسطين”.

صحيح أن الحكومة تقر بأنه كان يتوجب على الإعلان حماية الحقوق السياسية للعرب في فلسطين، لكنها تخفق في الاعتراف بأن إسرائيل مستمرة بكبر وغطرسة في إنكار حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم الوطني، كما تخفق في الاعتراف بتواطؤ بريطانيا نفسها في بقاء هذه الحالة من الإنكار. ومثلهم في ذلك مثل ملوك البوربون في فرنسا، يبدو أن حكام بريطانيا لم يتعلموا شيئا، ولم ينسوا شيئا طوال المئة عام الماضية.

هل يترأس السودان “معسكر التطبيع” مع إسرائيل؟

هل يترأس السودان “معسكر التطبيع” مع إسرائيل؟

بدا التعبير عن الاهتمام من قبل جهات سياسية سودانية حول تطبيع العلاقات مع إسرائيل كسيناريو غير محتمل قبل بضع سنوات، ولكن بات الوضع واقعا الآن. أكثر من ذلك، فهذا الاهتمام آخذ بالازدياد كلما اقترب السودان من التيّار المركزي السني

يردين ليخترمان

تفاجأت إسرائيل عندما سمعت أن وزير الاستثمار السوداني، مبارك الفاضل المهدي، يقول في مقابلة معه إنه يدعم علنا تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإسرائيل، بعد مرور أربعة أشهر فقط منذ بدأ بشغل منصبه.

ولم يبقَ الإسرائيليون لا مبالين، فنشر الموقع الإخباري الإسرائيلي “هآرتس” تصريحات المهدي في عنوان رئيسي. وغرد أيوب قرا، وزير الاتصالات الإسرائيلي في تويتر ردا على ذلك أنه يدعو المهدي لزيارة إسرائيل. “تسرني استضافته في إسرائيل لدفع عملية سياسية قدما في منطقتنا”، كتب قرا.

وقال المهدي في مقابلة معه للقناة السودانية 24، يوم الأحد الماضي، بتاريخ 20 آب، إن: “الفلسطينيين طبعوا العلاقات مع إسرائيل، حتى حركة حماس تتحدث مع إسرائيل، ويحصل الفلسطينيون على أموال الضرائب من إسرائيل والكهرباء من إسرائيل. يجلس الفلسطينيون مع إسرائيل ويتحدثون مع الإسرائيليين. صحيح أن هناك نزاعًا بينهم، لكنهم يجلسون معهم”.

وتشكل أقوال المهدي جزءا آخر في سلسلة أقوال سلمية لمسؤولين سودانيين تجاه إسرائيل في السنتَين الماضيتَين. في الواقع، منذ تشرين الثاني 2012، عندما صرح عمر البشير أن “تطبيع العلاقات مع إسرائيل يمثل خطا أحمر”، تغيّر التعامل السوداني جدا. حتى قبل سنوات قليلة، كان السودان مقربا جدا من إيران وسمح بمرور إرساليات أسلحة عبره إلى حماس في قطاع غزة، وأكثر من ذلك فهناك ثكنة عسكرية للتدريبات أقامها قبل ذلك بن لادن لنشطاء القاعدة في السودان مما أدى إلى تورطه في مشاكل مع أمريكا. ولكن في عام 2015، قطع السودان علاقاته الدبلوماسية مع إيران وانضم إلى داعمي السعودية والدول السنية. منذ ذلك الحين، بدأ يظهر أحيانا في مقابلات ومؤتمرات تطرقت إلى السياسة الخارجية، اهتماما بإقامة علاقات دبلوماسيّة مع الدولة الوحيدة التي يحظر على السودان دخولها وهي إسرائيل.

وقال رئيس حزب الوسط الإسلامي السوداني، يوسف الكودة، قبل بضعة أشهر إنه لا مانع ديني في إقامة علاقات مع إسرائيل. وقال قبل أقل من سنة، وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، إن تطبيع العلاقات مع إسرائيل هو قضية يمكن طرحها للنقاش. إن الكودة وغندور هما ليسا الوحيدين الذين يتحدثان هكذا من بين جهات مختلفة من الخارطة السياسية السودانية.

وبصفته وزير الاستثمار، يبدو أن المهدي يعتقد أن السودان عليه أن يكون منفتحا أمام أسواق جديدة للتغلب على الأزمة الاقتصادية التي بدأ يتعرض لها في السنوات الأخيرة بسبب العقوبات الدولية والعزلة الدبلوماسية المستمرة من قبل الغرب. وفق الأمثلة التي طرحها المهدي يبدو أنه فحص جيدا قضية العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين قبل أن يبلور ادعاءاته. لقد تطرق إلى المشاكل في هذه العلاقات، التي لا يتحدث عنها غالبًا السياسيون العرب عندما يتحدثون عن إسرائيل أو الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

وحتى أن المهدي تطرق أيضا إلى معظم المواطنين السودانيين من دارفور الذين يقيمون في إسرائيل في السنوات الماضية بصفتهم طالبي اللجوء. “مش أولاد دارفور هسا هربوا من الوضع اللي حصل لهم في السودان وماشوا إسرائيل؟ لانو معهم إسرائيل ما مشكلة” قال المهدي. حتى الآن، تعامل السودان مع طالبي اللجوء من دارفور والذين يقيمون في إسرائيل بصفتهم خارقي القانون وخونة، بسبب دخولهم إلى إسرائيل فقط. لقد مات الشاب محمد أحمد، طالب اللجوء السوداني الأخير الذي عاد إلى السودان برحلة جوية من إسرائيل إلى السودان عبر مصر وهو في غرفة التحقيقات التابعة للسلطات السودانية خلال أقل من 48 ساعة من وصوله إلى موطنه. ولكن يشير المهدي إلى أن سكان دارفور الذين وصلوا إلى إسرائيل هم أول من عرف أنه يمكنهم العيش إلى جانب الإسرائيليين وأكثر من ذلك يشكل هذا إثباتا على أن السودانيين لا يعتقدون أن هناك مشكلة في العلاقات مع إسرائيل أو أنها تشكل “خطا أحمر”.

وكما هي الحال في السودان فإن الحديث عن إسرائيل في الدول السنية الأخرى أصبح جديا ومعقدا أكثر، ويأخذ بعين الاعتبار إمكانية التعاون مع إسرائيل حتى وإن لم يصل بعد إلى علاقات رسمية وعلنية. لهذا، من المثير للاهتمام الإشارة إلى أن الاهتمام السوداني حول تطبيع العلاقات مع إسرائيل آخذ بالازدياد بالتوازي مع عملية التقارب بين السودان والتيار المركزي السني الذي ما زال لا يقيم معظمه علاقات دبلوماسيّة رسمية مع إسرائيل، فيما عدا في الأردن ومصر. هل الحوار السوداني حول جعل التطبيع مع إسرائيل شرعيا يمثل البراعم الأولى التي تعكس التغيير العقائدي الذي يحدث تدريجيا في الدول السنية الأخرى؟

وعد بلفور.. آن الأوان للاعتذار

ستيوارت ليتلوود

تاريخ النشر: 01/08/2017

يصادف هذا العام الذكرى المئوية لوعد بلفور الذي تعهَّد فيه وزير خارجية بريطانيا عام 1917، بالعمل على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد أعلنت رئيسة وزراء بريطانيا في وقت سابق من هذا العام، أنها تنوي الاحتفال بهذه المناسبة.

في رسالة وجهتها إلى صحيفة محلية (بريطانية) حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وطريقة تعامل رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، معه، تطرقت إلى ذكر وعد بلفور، وانتقدت خططها للاحتفال بذكراه المئوية «بفخر واعتزاز»، ودعوة رئيس الوزراء «الإسرائيلي»، نتنياهو لحضور المناسبة. وأدت مقالتي إلى ردّ فعل حادٍ من شخص يبثّ «حقائق» الدعاية «الإسرائيلية» المعتادة، حيث قال، إن موقفي قد ألحق الضرر بالمجتمع اليهودي في جميع أنحاء العالم.

وإعلان بلفور موضوع في غاية الخطورة. وهو سبب لرعب وأسى عميقين، وغضب دولي مبرر، ومدعاة لأسف عميق. والوقت الحالي، وهو الذكرى المئوية لصدور الوعد، مناسب للنقاش. فلنرَكزْ عليه خلال الشهور القليلة القادمة، إذ تحثّ الجماعات المعنية بالعدالة، الحكومة البريطانية على وسم الاحتفال المئوي بوعد بلفور، بإبداء الأسف.

وتستطيع السيدة ماي، أن تقوم بمأثرة حقيقية هنا. وفي وسعها، بجرّة قلم، أن تساعد في القضاء على الاضطرابات المدمرة في الشرق الأوسط، وتبدأ في ترميم مكانة بريطانيا الممزقة. حتى أنها تستطيع أن تفتح مسارات تجارية جديدة نحو الأسواق الإسلامية، ذات الأهمية الحيوية في هذا الوقت الذي تسير فيه بريطانيا نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وبالاعتراف بالخطأ والاعتذار بالنيابة عنّا، عن 100 عام من العذاب الذي ألحقناه بشعب جميل في جزء جميل من العالم، تستطيع السيدة ماي أن تتخذ خطوة عملاقة من أجل البشرية، على الساحة العالمية. وعليها بين هذا الوقت وشهر نوفمبر/تشرين الثاني أن تتخذها. فهل ستفعل؟

كلا، بل ستحتفل بوعد بلفور بأناقة مع رئيس الوزراء «الإسرائيلي»، من دون أي اعتبار للشعب الذي ارتكبت بريطانيا بحقه هذا الخطأ الشنيع.

ذلك أمرٌ فظيع في الوقت الذي وَصَم فيه بالعنصرية. بل هو أشد مدعاة للأسف، إذا أخذنا في الاعتبار صرخة الاستغاثة اليائسة التي أطلقها التحالف الوطني للمنظمات المسيحية في فلسطين، في رسالة مفتوحة إلى مجلس الكنائس العالمي، والحركة المسكونية، والتي وقّعتْها أكثر من 30 منظمة في القدس والضفة الغربية وغزة.

ومما جاء في الرسالة «إننا لا نزال نعاني 100 عام من الظلم والاضطهاد، اللذين لحقا بالشعب الفلسطيني انطلاقاً من إعلان بلفور غير المشروع.. الذي أعقبه الاحتلال «الإسرائيلي» للضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وغزة، وتشتيت شعبنا، وتفتيت أرضنا، من خلال سياسات العزل والمصادرة، وبناء المستوطنات المقصورة على اليهود، وجدار الفصل العنصري».

وكان بلفور، وزيرُ الخارجية البريطاني عام 1917، قد كتب رسالة إلى اليهودي الثري في بريطانيا، اللورد روتشيلد، تتعهد الحكومة البريطانية بموجبها ببذل «أفضل المساعي» لتسهيل إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

كما كتب بلفور: «ولا نقترح حتى تحَمُّل عناء مشاورة سكان البلاد الحاليين، ومعرفة رغبتهم».

ويرقى ذلك إلى درجة خيانة حلفائنا العرب في الحرب العالمية الأولى. وقد اعترض كثيرون في البرلمان، ومن بينهم اللورد سيدنهام، الذي قال «إن ما فعلناه، من خلال تنازلات لا للشعب اليهودي، بل لفصيل متطرف صهيوني، هو خلق مشكلة عويصة في الشرق، ولا يستطيع أحد التكهن بالمدى الذي ستمتدّ إليه تلك المشكلة».

وكان بلفور قد اعتنق الصهيونية (كما فعل كثيرون آخرون، منهم رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج)، وكان يشغل المنصب الملائم. وقد قُدّم الاقتراح إلى بريطانيا عام 1916.

.. واليوم، تحتل «إسرائيل» بصورة غير مشروعة الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما في ذلك المدينة القديمة.. وتقبض على خناق غزة. ومنذ 70 عاماً، ما زال ملايين الفلسطينيين المحرومين وأسرهم، يكابدون المخاطر في مخيمات اللاجئين، أمّا أولئك الذين بقوا في وطنهم، مسيحيين ومسلمين، على حدٍّ سواء، فإنهم يعيشون حياة بائسة تحت نير احتلال عسكري وحشي.

ويشكل الوضع الآن بقعة شائنة على علم الأمم المتحدة، التي لا تملك المقومات اللازمة لاتخاذ إجراء. وينبغي أن تكون التداعيات المستمرة في جميع أنحاء الأرض المقدسة، موضع اهتمام جميع المسيحيين والمسلمين، ولا سيما رواد الكنيسة العاديين، مثل تيريزا ماي.

كاتب ومصور وخبير تسويق بريطاني.

موقع ديسنت فويس

أفق فلسطين : نحو سلام عادل

تأليف: ريتشارد فولك

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

هل القضية الفلسطينة ضائعة بالمفهوم العام وسط الصراعات العالمية؟ إلى أية درجة يمكن أن تؤدي محادثات السلام إلى حلول ترضي الجانبين الفلسطيني و«الإسرائيلي»؟ هل هناك آمال تلوح في الأفق بالنسبة للشعب الفلسطيني، وسط التوسع «الإسرائيلي» في استيطانه وجبروته، وانتهاكه القوانين الدولية في كل مناسبة.

يناقش هذا العمل للبروفسور الأمريكي ريتشارد فولك التحولات في الصراع الفلسطيني- «الإسرائيلي» والطرق التي يمكن أن تؤدي إلى سلام شامل وعادل، مع التوقف عند آراء المفكر الراحل إدوارد سعيد.

بعد أن عاش المجتمع الفلسطيني سنوات من الاحتلال العنيف، يستكشف الآن طرقاً مختلفة للسلام. ويشمل ذلك السعي إلى نيل الحقوق بموجب القانون الدولي في أماكن مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، مع وضع تشديد جديد على التضامن العالمي والعمل غير العنيف من خلال حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي إس)، وغيرها. ويعمل البروفيسور ريتشارد فولك داخل الصراع «الإسرائيلي» / الفلسطيني على مدى عدة عقود، حيث درسه عن قرب وعمق، وما يحاول أن يقدمه في عمله هذا «أفق فلسطين»، هو النظر عن كثب إلى هذه التحولات، ويقدم تحليلاً دقيقاً لأحد أكثر القضايا إثارة للجدل في عصرنا.

التعقيدات السياسية

يستكشف فولك، في كتابه الصادر حديثاً عن دار «بلوتوبرس» البريطانية باللغة الإنجليزية في 196 صفحة، التعقيدات والترابطات داخل تاريخ وسياسة فلسطين/ «إسرائيل»، في الوقت الذي ينخرط فيه داخل العلاقات المعقدة التي خلقها الصراع ضمن المجتمع العالمي. وهو يدحض الفكرة القائلة إن النضال الفلسطيني قضية ضائعة، ويقدم تكتيكات وإمكانات جديدة للتغيير. كما أنه يضع الصراع المستمر في السياق، مما يعكس إرث إدوارد سعيد، ويستند إلى أهمية أفكاره كنموذج إنساني للسلام الذي يدرك الصعوبات الهائلة التي تواجه التوصل إلى حل للنضال الطويل. ويعد فولك، أحد أكثر الأصوات رسوخاً وموثوقية في الصراع، يعرض الآن لمحة تاريخية أكثر استدامة وتركيزاً حتى الآن.

ويشير الكاتب إلى أنه ليس هناك قضية سياسية خلال العقد الماضي مثيرة للقلق ومحبطة للهمة بالنسبة له كما هو الحال في الفشل للتوصل إلى سلام عادل ومستدام للشعب الفلسطيني. ويقول: «هذا الكتاب يحاول أن يصور المراحل الأخيرة في النضال الفلسطيني وطموحاته. وأن أي مستقبل محترم يعتمد على الفلسطينيين و«الإسرائيليين» لإيجاد طرق خلاقة للعيش معاً بطريقة تعود بالفائدة على الطرفين».

ويضيف: «خلال إعداد هذا الكتاب، تأثرت كثيراً بسنواتي الست (2008-2014) في العمل كمقرر خاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 تحت رعاية مجلس حقوق الإنسان».

مستقبل الصراع

يقول الكاتب إنه «مع نهاية 2016، يبدو أن مستقبل الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي» يستعد لدخول مرحلة جديدة. فمن جانب، مع الإجماع المثير للإعجاب، ندد مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة بالتوسع الاستيطاني «الإسرائيلي» في القرار رقم 2334، الذي امتنعت الولايات المتحدة من التصويت عليه. أكد هذا العمل الرمزي أن الدول الكبرى في العالم تبقى ملتزمة بنتيجة عادلة للصراع، وتحترم الحقوق الفلسطينية بموجب القانون الدولي، وأن الأمم المتحدة سوف تستمر في لعب دور حيوي خلال هذه العملية».

ويضيف فولك: «في الوقت نفسه، فكرة تحقيق سلام مستدام في شكل حل الدولتين، مع الاحتفاظ بالموقع الرسمي في الأمم المتحدة وفي الأوساط الدبلوماسية، يبدو أنه بعيد وصعب الإدراك أكثر من أي وقت مضى. ويبدو أن الحكومة «الإسرائيلية» الحالية غير مهتمة بتسوية عبر المفاوضات مع ممثلين عن الشعب الفلسطيني. علاوة على ذلك، يفتقد الفلسطينيون إلى قيادة موحدة، ولا يمتلكون في الوقت الراهن التمثيل الشرعي بالكامل. بالإضافة إلى ذلك، تشير التطورات الميدانية إلى أن «إسرائيل» تدفع بالأحداث إلى الاستيلاء على القدس وأغلب الضفة الغربية، بالتالي يجعل من غير المنطقي تأسيس دولة فلسطينية متمتعة بالسيادة على أساس نهج حل الدولتين».

ويوضح الكاتب أنه «في الواقع، على الرغم من استمرار النضال الفلسطيني على الساحة الدولية، خاصة في الأمم المتحدة، فإن هناك عدم ثقة كاملة تقريباً في حل الدولتين المقترح وفي قدرة الدبلوماسية التقليدية على خلق اتفاق بين «إسرائيل» وفلسطين. بدلاً من ذلك، مسألة وجود أمل يعتمد على تغيير التوازن الحالي للقوى، بالتالي فإن الحكومة «الإسرائيلية» موجهة لإعادة حساب مصالحها في طرق تجعل من الممكن تصور تسوية سياسية مستدامة وعادلة مع الحركة الوطنية الفلسطينية. مثل هذا التغيير، إذا ما حدث، ستكون نتيجة مقاومة فلسطينية أعيد تنشيطها في وجه الاحتلال «الإسرائيلي» الذي يدخل عامه الخمسين وحركة التضامن العالمية التي تظهر حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، المتأسسة لتحدي الممارسات والسياسات «الإسرائيلية» التي تنتهك القانون الدولي».

كما يشير الكاتب في الكتاب إلى أن الآمال والتوقعات الفلسطينية في الوقت الراهن يبدو أنها متوقفة على نشاط الشعب أكثر مما هو على دبلوماسية الحكومات والأمم المتحدة. وإذا ما تغيرت علاقة القوى لخلق دبلوماسية منتعشة وأكثر توازناً بالاستناد إلى عملية سلام أصلية ربما تساهم في مستقبل يقود إلى حل.

الآمال الفلسطينية

ويستكشف الكاتب تفاصيل هذه الآراء في سلسلة من المقالات الرصينة، وقسم العمل بعد المقدمة والتمهيد، في أربعة أقسام رئيسية هي: أولاً، التصور الناشئ لفلسطين، وينقسم إلى أربعة فصول هي: مؤشرات الصراع، دبلوماسية أوسلو: وجهة نظر تاريخية قانونية، إعادة التفكير بالمستقبل الفلسطيني، التصوّر الفلسطيني الناشئ، ويناقش فيه التصورات الفلسطينية والأجندة والتكتيكات الموجودة من ناحية السياق السياسي الشامل الذي تأسس فيه الإطار الدبلوماسي قبل فترة طويلة من استحضار عملية السلام إلى «إسرائيل» وفلسطين التي فقدت مصداقيتها بعمق بعد عقود من الإحباط.

ويتناول الاهتمام المتزايد الذي يعطى لنشاط المجتمع المدني سواء على صعيد المقاومة الفلسطينية للاحتلال أو التضامن العالمي مع الصراع الفلسطيني لأجل تقرير المصير والحقوق بموجب القانون الدولي، ويأتي ذلك بشكل خاص في استجابة لحالات الفشل الأولى من الصراع المسلح وإحباطات أخيرة أكثر على الصعيد الدبلوماسي.

أما القسم الثاني فهو بعنوان «حرب الشرعية لفلسطين»، وينقسم أيضاً إلى خمسة فصول هي: «العنف واللاعنف في النضال لأجل حقوق الإنسان في فلسطين» (كتبها المؤلف بالاشترك مع فيكتوريا ميسن)، القانون الدولي، الفصل العنصري، الاستجابات «الإسرائيلية» لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، واستخدام القانون الفلسطيني والبحث عن سلام عادل، فلسطين تصبح دولة، والسعي إلى الدفاع في المحكمة الجنائية الدولية. وتسلط هذه الفصول الضوء على التغير الاستراتيجي والتكتيكي في التأكيد على أنه يعتمد بشكل متزايد على تشكيلة من المبادرات السلمية، على الصعيد الداخلي والخارجي، المصممة لفضح وتشويه وتحدي السياسات والممارسات «الإسرائيلية» اللأخلاقية واللاقانونية. كما يتطرق هذا الفصل إلى التوترات الإقليمية القائمة في الشرق الأوسط وكيفية حلها، والتغيرات التي يمكن أن تحدث في الموقف الأمريكي والأوروبي تجاه قضايا المنطقة، والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.

وبعنوان «الصهيونية ومعاداة السامية في الساحة الدولية» يتألف القسم الثالث من فصلين هما: «الصهيونية والأمم المتحدة»، و«الخارجية الأمريكية، تعريف معاداة السامية وإنسانية إدوارد سعيد»، ويتوقف هذا القسم عند الاستجابة «الإسرائيلية» العنيفة ضد هذه التكتيكات الفلسطينية الأخيرة من خلال تبني سلسلة من التكتيكات لمصلحتهم، من بينها حملات عدوانية لتشويه حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، والمنظمات الحقوقية الأخرى المناصرة للقضية الفلسطينية. ويشير الكاتب إلى أن هذا الرجوع«الإسرائيلي»إلى الخلف يتجنب معالجة التحديات الأساسية لسياساتها وممارساتها، ويركز على جهودها المبذولة في تشويه عمل الناشطين والمنتقدين، إلى درجة اتهام الأمم المتحدة بانحيازها للفلسطينيين، واعتمادها على أشكال مختلفة من التخويف سواء في الداخل أو في الخارج.

على خطى إدوارد سعيد

ويأتي القسم الرابع والأخير من هذا العمل بعنوان «إرث وصوت إدوارد سعيد»، وينقسم إلى فصلين هما: «عملية السلام الفاشلة»، و«فلسطين كقضية ضائعة»، مخصصاً لتناول الوجوه المختلفة والمتعددة لإرث إدوارد سعيد، كأكثر صوت إنساني فلسطيني مؤثر، وما يجسده من دعوة إلى ترسيخ القيم الإنسانية في الصراع القائم. ويشير الكاتب إلى أنه من الواضح أن «إدوارد سعيد في نهاية حياته وضع آماله على حل الدولة الواحدة التي يمكن للفلسطينيين و«الإسرائيليين» أن يعيشوا فيها معاً ضمن دولة علمانية واحدة تقوم على المساواة بين الشعبين من خلال التزام قوي بتطبيق قوانين حقوق الإنسان على كل من يعيش ضمن حدود هذه الدولة». كما يتطرق إلى جوانب أخرى من كتابات إدوارد سعيد عن القضية الفلسطينية.

ويخرج الكاتب في ختام عمله بعدد من الخلاصات، ومما يقوله في النهاية: اسمحوا لي أن أنهي عملي إذاً، مع إعادة تأكيد على العلاقة المعقدة بين معرفتنا المحدودة، خاصة المستقبل، وإرادتنا السياسية والأخلاقية، التي تمتلك حرية لا يمكن اختزالها لخلق آفاقها الخاصة. ولهذا السبب وحده، يبدو أنه لا بد من تقديم الدعم للانضمام إلى إدوارد سعيد وسلافوي جيجك في إعلان دفاعنا عن القضايا الضائعة، وفي هذا المثال نجد أمامنا قضية الشعب الفلسطيني الذي تم التضحية به بشكل صامت لفترة طويلة. وكما استطاع بعض العنصريين البيض البقاء في جنوب إفريقيا بعد حل نظام الفصل العنصري، سوف يأخذ الأمر معجزة سياسية قريبة من المقارنة مع التجربة السابقة للوصول إلى سلام عادل ومستدام في فلسطين، من شأنه أن يأتي بالكرامة المتساوية للشعبين. بهذه الكلمات أنهى مع مقطع من قصيدة للشاعر دبليو. إتش. أودين: «هؤلاء الذين يوشكون على الموت يطلبون معجزة».

نبذة عن المؤلف

عمل ريتشارد فولك في موقع المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية من 2008 إلى 2014. وهو أستاذ فخري للقانون الدولي في جامعة برينستون وزميل باحث في الدراسات الدولية في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا.

ورغم أنه ينتمي لعائلة يهودية إلا أنه يناصر القضية الفلسطينية، ويتنكر للجانب العرقي لديه المتعلق باليهودية وإسرائيل، ويعرّف نفسه بأنه أمريكي، ويجد أن من مهمته «أن يكون مشغولاً بالتغلب على الظلم والتعطش إلى العدالة في العالم، وهذا يعني احترام الشعوب الأخرى بغض النظر عن جنسيتها أو دينها، والتعاطف في مواجهة المعاناة الإنسانية أياً كانت أو وجدت». وهو مؤلف لأكثر من عشرين كتاباً من بينها «الفوضى والثورة المضادة: بعد الربيع العربي».

أما بالنسبة لمؤهلاته فهو حاصل على بكالوريوس العلوم في الاقتصاد من كلية وارتون، جامعة بنسلفانيا في عام 1952 قبل إكمال درجة البكالوريوس في القانون في جامعة ييل. وحصل على شهادة الدكتوراه في القانون من جامعة هارفارد في عام 1962. وقد تأثر في بداياته بقراءات لكارل ماركس وهربرت ماركيوس وسي. رايت ميلز، وطور اهتمامه بالمشاريع التي تهدف إلى إلغاء الحرب والعدوان، وهو من أنصار التوجّه البشري نحو التمتع بروح عالمية، تكون الحدود فيها مفتوحة أمام الجميع لأجل الخير الإنساني. كما كان من المعارضين لغزو العراق في 2003، حيث اعتبرها جريمة عدوانية ضد السلام الدولي.

المصدر

خطط المملكة المتحدة للاحتفال بكارثة وعد بلفور

خطط المملكة المتحدة للاحتفال بكارثة وعد بلفور

لورنس دافيدسون* – (كونسورتيوم نيوز) 14/3/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

قبل قرن من الآن، أسس وعد بلفور البريطاني كارثة الحقوق الإنسانية المتمثلة في الصراع الإسرائيلي-الفسطيني، ولكن الساسة البريطانيين يخططون -لأسباب انتهازية- للاحتفاء به باعتبار أنه شكل نجاحاً عبقرياً.

*   *    *

أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية، تريزا ماي، أن بريطانيا ستحتفل بالذكرى المئوية لوعد بلفور في وقت لاحق من هذا العام. وكانت زعيمة حزب المحافظين تخاطب فصيل “أصدقاء إسرائيل” في حزبها، وأعلنت أن وعد بلفور كان “من أكثر الرسائل أهمية في التاريخ”، بينما تعهدت بأن تحتفل حكومتها به “بكل فخر”.

يشير تصميم تريزا ماي على الاحتفال بمئوية بلفور بوضوح إلى أن أولئك الذين يسيطرون على السياسة الوطنية، يسيطرون أيضاً على التفسير الرسمي للتاريخ. وفي حالة مرور مائة عام على وعد بلفور، فإن ذلك التحالف المستمر بين المصالح الصهيونية الخاصة وبين السلطة السياسية في بريطانيا، هو الذي يوشك على تحويل ما شكل كارثة على البريطانيين واليهود والفلسطينيين على حد سواء، إلى مصدر للفخر الوطني.

كنتُ قد رويت قصة وعد بلفور بتفاصيل موثقة في كتابي “فلسطين أميركا”. وفيما يلي موجز مقتضب لما ورد في أطروحته:

كان إعلان تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1917 إحدى وسائل الحرب العالمية الأولى، والتي استخدمتها الحكومة البريطانية من أجل حشد المساعدة من يهود العالم (الذين اعتُقِد خطأ بأنهم يعملون جميعاً تحت قيادة المنظمة الصهيونية العالمية الوليدة)، لصالح الجانب البريطاني من الحرب. وفي المقابل، وعدت الحكومة البريطانية بإقامة “وطن قومي لليهود”، في شبه الجزيرة العربية بعد الحرب. وبفعلها ذلك، سعت بريطانيا إلى شراء مساعدة اليهود بعملة طرف آخر -بمعنى، منح أرض كانت تعود في ذلك الحين إلى الإمبراطورية العثمانية.

كان أعضاء رئيسيون في وزارة الحرب في لندن، مثل وزير الخارجية آرثر بلفور، مؤمنين بأسطورة قوة اليهود ونفوذهم في كل أنحاء العالم، وعلى ذلك الأساس، كانوا مقتنعين بأن النفوذ اليهودي في واشنطن يمكن أن يساعد على جلب الولايات المتحدة إلى الحرب كحليف لبريطانيا، بينما يقوم في الوقت نفسه بمنع حلفائهم على الجبهة الشرقية، الروس، من مغادرة الحرب. ومع أن الولايات المتحدة دخلت الحرب بعد فترة وجيزة فعلاً، فإن ذلك التدخل لم تكن له أي صلة بنفوذ اليهود، كما أن الروس، الذين أصبحوا في ذلك الوقت تحت قيادة البلاشفة، مضوا إلى إبرام سلام منفصل مع الألمان.

في نهاية الحرب العالمية الأولى، انهارت الإمبراطورية العثمانية، ووجدت بريطانيا نفسها في موقف السيطرة العسكرية على فلسطين. وعندئذٍ، ذهبت الحكومة في لندن إلى متابعة الوفاء بوعدها للصهاينة. وفعلت ذلك من خلال السماح بهجرة جماعية ليهود أوروبا إلى فلسطين. وعند هذه النقطة، كانت السياسة مدفوعة بمزيج من المعتقدات الدينية والعنصرية، إلى جانب الطموحات الإمبريالية.

أولاً، هناك حقيقة أنه كان يُنظر إلى اليهود على أنهم حلفاء أوروبيون، والذين زُعِم أنهم سيساعدون على تأمين جزء استراتيجي من الشرق الأوسط للإمبراطورية البريطانية؛ وثانياً، كان هناك اعتقاد أسطوري ساحر بأن إنشاء وطن قومي لليهود ينسجم بشكل ما مع تحقيق نبوءة إنجيلية. وفي النهاية، لم يتمخض أي من هذا عن خير بالنسبة للبريطانيين. ففي العام 1948، تم طردهم من فلسطين على يد كل من الصهاينة العدوانيين العنيفين والوطنيين العرب. وخرج البريطانيون وهم يجرون أذيالهم بين أرجلهم.

والآن يبدو أن رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، وجماعة حزبها من “أصدقاء إسرائيل” يرفضون هذا التاريخ. أو أنهم ربما لا يهتمون بشأن الحقائق الموثَّقة، لأن كل ما يهمهم الآن هو الاحتفاظ بالدعم المالي الذي يتلقاه حزب المحافظين من اللوبي الصهيوني. ويبدو أن هذا هو حال السياسة الديمقراطية في الغرب.

كارثة في كل مكان

من الجدير تأكيد حقيقة أن تداعيات وعد بلفور كانت كارثية بكل مقياس. فقد دامت الهيمنة البريطانية 30 عاماً، وانتهت، كما ذكرتُ تواً، بانسحاب مُخزٍ غير مجيد. ومن جهة أخرى، عانى الفلسطينيون عقوداً من الحرمان والإبعاد والتطهير العرقي.

كما أن اليهود المتدينين والعلمانيين على حد سواء، المنتمين إلى دولة إسرائيل التي نجمت عن ذلك، والذين أصبحوا مقيدين رسمياً الآن بروح الصهيونية، خضعوا للإغواء وتم تحويلهم ثقافياً إلى اعتناق أيديولوجية عنصرية. واليوم، أصبحت الصهيونية واليهودية بالنسبة للعديد من اليهود وجهان لعملة واحدة. وتتمثل إحدى الطرق التي يستطيع المرء بها إثبات هذه النقطة الأخيرة في استنطاق الأيديولوجية الصهيونية. لكنه وسم في هذه الحالة بأنه معادٍ للسامية.

كيف حدث وأن مرَّ هذا الموقف؟ من المؤكد أن لتاريخ اللاسامية الأوروبية، والذي بلغ ذروته في حادثة المحرقة اليهودية، الكثير من الصلة بذلك. فقد شكلت معاداة السامية دائماً تهديداً لليهود في الغرب. ومع ذلك، كان ذلك التهديد، تقليدياً، محلياً في معظمه. بمعنى أنه حتى لو أن يهود قرية يهودية صغيرة معينة، ولنقل في جنوب روسيا، تعرضوا للذبح، فإن أولئك الموجودين في أماكن أخرى كانوا يزدهرون. وبذلك، كان الخطر حاضراً دائماً هناك، وإنما تحقق بشكل متقطع.

ولكن، عندئذٍ جاء النازيون وتغيرت أبعاد التهديد بشكل جذري. ونتيجة لذلك، حدث انهيار كامل لحياة اليهود الأوروبيين. وبالنسبة لعدد يعتد به منهم، لم تعد الاستبصارات والفلسفات القائمة على التوراة القديمة والتي تفسر العالم تكفي.

وإذن، ما الذي فعله أولئك اليهود الغربيون الذين تمكنوا من النجاة في مثل هذه الظروف؟ كان نظامهم الاجتماعي المعتاد قد ذهب. وأصبحوا منجرفين على غير هدى في عالم بدا غير منطقي وبلا معنى، إلا عندما يتعلق الأمر بخطره المميت. وفي ظل ظروف من هذا النوع، استطاعت فكرة واحدة قابلة للتطبيق، والتي بدت منطقية تاريخياً، أن تعمل بمثابة طوق للنجاة. كانت تلك الفكرة هي الصهيونية.

بدت الصهيونية منطقية تاريخياً لأنها مزجت بين النجاح التاريخي للدولة-الأمة، التي كانت بعد كل شيء نظاماً سياسياً مهيمناً في ذلك العصر، وبين الأسطورة التوراتية التي عقلنت فكرة قيام “دولة يهودية” في أرض فلسطين العربية. وبالنسبة لكل من الناجين من الهولوكوست وأولئك اليهود الذين شاهدوا دمار أقرانهم الأوروبيين من بعيد (أي، من أماكن مثل الولايات المتحدة)، لا بد أن تكون الحزمة كلها قد انطوت على منطق داخلي بدا مريحاً بطريقة لا تمكن مقاومتها –حيث وعدت بتحقيق أمن دائم في وطن قومي يهودي.

بينما يستطيع المرء أن يفهم القوة المغوية للصهيونية، فإنها أفضت فقط، مثل كل الأيديولوجيات السياسية العنصرية أو العرقية حصراً، إلى كارثة متوقعة. والحقيقة هي أن من المستحيل خلق دولة تكون مقصورة حصرياً على شعب واحد (فلنسمهم الشعب “أ”) في منطقة يقطنها مسبقاً شعبٌ آخر (فلنسمهم الشعب “ب”) من دون اعتناق لسياسات عنصرية من طرف الشعب “أ”، وظهور مقاومة جديد من جانب الشعب “ب”. وفي ظل مثل هذه الظروف، بالنسبة للشعب “أ”، لا يمكن أن يكون هناك أي أمن، ولا أن يكون هناك أي شيء مثل ثقافة وطنية صحيَّة.

أثبتت العملية أنها كلها برمتها مفسِدة ذاتياً لليهود الصهاينة. ومن المفارقات أن معظم الصهاينة الآن أصبحوا هم أنفسهم لاساميين. وفي هذه الحالة، أصبحت الأهداف السامية هي الفلسطينيون والعدد المتزايد من اليهود الأوروبيين الذين يتقاطرون لدعم قضيتهم.

وهكذا، تستند الخطط للاحتفال بالذكرى المئوية لوعد بلفور إلى وهم يحاول أن يتصور شيئاً مريعاً مروعاً باعتباره شيئاً فخوراً حقاً. والطريقة الوحيدة التي تمكن المرء من جعل هذا يحدث هو أن تكون لديه القدرة على تحريف وتشويه فصل تاريخي كامل إلى شيء آخر ليس هو على الإطلاق -وهذا هو ما تخطط تيريزا ماي لفعله.

*أستاذ التاريخ في جامعة ويست تشيستر في بنسلفانيا. وهو مؤلف “مؤسسة السياسة الخارجية: خصخصة المصلحة القومية الأميركية”؛ و”فلسطين أميركا: التصورات الشعبية والرسمية من بلفور وحتى تأسيس دولة إسرائيل”؛ “الأصولية الإسلامية”.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Celebrating the Balfour Disaster

وجوه بوتين المتناقضة.. 7 نظريات تفسر شخصية الرئيس الروسي.. وهذه نهايته المتوقعة!

تردد اسم الرئيس الروسي “بوتين” هذه الأيام في كافة وسائل الإعلام ، منها من حذر من شرّه ، ومنها من يشرح خطته للسيطرة الإقليمية وطموحاته لمنازعة الولايات المتحدة سيطرتها العالمية، وتارةً مُخبرةً عن جنوده وجواسيسه المنتشرين في أرجاء العالم والمؤثرين في أحداثه، من سوريا إلى أوروبا إلى أميركا نفسها والتأثير في انتخابات أعظم قوى العالم.

الصحفي الأميركي المولود في روسيا، كيث جيسين، جمع النظريات التي حاولت فهم الرئيس الروسي، في مقال مُطوَّل لصحيفة الغارديان البريطانية؛ في محاولة لتحليلها ومعرفة الحقيقي والزائف بها.

فأحد دوافعه لهذا التحليل أن بوتين ، على شهرته وتأثيره، يُكتَب عنه الكثير من التحليلات التي، بحسب تعبير جيسين، “تعتمد بالضرورة على معلومات مُجتزئة، أو منقوصة، أو أحياناً مغلوطةً كُليِّاً”.

إليكم 7 نظريات عن بوتين، يعرضها جيسين مُحللاً ما يؤيدها ويعارضها على أرض الواقع.

  1. بوتين عبقري

إنَّها النظرية الأشهر في الغرب وكتابات المُحللين الغربيين عن بوتين، سواء منتقديه أو معجبيه.

بوتين عبقري بكل تأكيد ليفعل كلَّ ما فعله داخلياً وخارجياً دون أن يتعرَّض إلى أذىً يُذكَر. دعنا نتذكَّر كيف قرَّر دعم نظام الرئيس السوري بشَّار الأسد فحوَّل مسار الحرب ضد المعارضة التي كانت تدعهما الولايات المتحدة وتركيا والسعودية لأعوام، وكيف ضمَّ شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي، وكيف قوَّض الإجماع الأوروبي على الاتحاد وموَّل الحركات المُشكِّكة في جدواه، وكيف تدخَّل في انتخابات الرئاسة الأميركية ليجعل ترامب رئيساً؛ أمَّا في الداخل، فقد تمكَّن بوتين من إخراس كل معارضيه تقريباً أو استمالتهم إلى جانبه.

يؤيد نظرية عبقرية بوتين نجاحه في فعل كل ذلك دون أن يردعه أحد؛ فقد تمَّ ضم القرم مثلاً دون إطلاق عيار ناري واحد، وإيصال دونالد ترامب إلى البيت الأبيض كان ثمنه هيّناً بطرد 35 عميلاً استخباراتياً روسياً من الولايات المتحدة.

لكنَّ هذه العبقرية المزعومة مُكلفة للغاية؛ فروسيا الآن ترزح تحت عقوبات غربية تُثقِل كاهل اقتصادها، وهي معزولة دولياً بدرجة كبيرة، وكسبت عداء الشعب الأوكراني إلى الأبد، وحتَّى في الداخل لا يبدو مصير بوتين مُبشِّراً؛ إذ يصعب، في رأي جيسين، أن نتصوَّر نهاية لعهده لا تُراق فيها الدماء.

إنَّ هذه لعبقريةٌ غريبةٌ حقاً من رجلٍ لو تنحَّى عن السياسة في عام 2008 لنُصِبت له التماثيل تقديراً لما فعله لبلاده.

  1. بوتين رجلٌ عادي

هذه النظرية هي نقيض الأولى. بوتين ليس استثنائياً ولا عبقرياً؛ إنَّه رجلٌ عاديٌ كالآلاف من الروس، رجلٌ قصير متساقط الشعر ذو صوتٍ حادٍ، أقرب إلى تمثيل صورة الموت من سَلَفه بوريس يلتسين الذي أعلن استقالته في خطابٍ مُتَلفز في ليلة رأس السنة من عام 1999 بادياً عليه المرض.

تلك هي اللحظة التي تعرَّف فيها الروس على بوتين للمرة الأولى، مُجرَّد عقيد في المخابرات السوفيتية، يتحدَّث مثلهم، يشاهد الأفلام التي يشاهدونها، ويسمع الأغاني التي يسمعونها، عكس يلتسين، العضو السابق في المكتب السياسي السوفييتي.

بدايات بوتين رسَّخت هذه الصورة؛ إذ كان مأخوذاً بعظمة الإمبراطورية الأميركية ومُعجباً بالرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب، ومدركاً حدود سلطته في البلاد التي ينازعه فيها مجموعة من أقطاب الصناعة والنفط والبنوك كانوا يسودون روسيا في عهد يلتسين، ويبدو عاجزاً أمامهم بصورةٍ ما.

لكن قد يكون من الظلم نزع كل استثنائيةٍ عن بوتين، وليس فقط لبطولاته الرياضية في لعبة الجودو. صحيحٌ أنَّ بدايات بوتين كانت عادية تماماً، إلَّا إنَّه تمكَّن من ترسيخ قواعد حكمه وشعبيته بمواقفه القوية، في نظر الشعب الروسي، تجاه الشيشان وأقطاب البلاد، مثلما حضَّر لإسقاط ميخائيل خودوركوفسكي، أغنى رجل في روسيا، والقبض عليه في عام 2003.

استثنائية بوتين لا تعتمد على شخصيته فحسب. لقد مرَّ على بوتين الآن ثلاثة رؤساء أميركيين وترامب رابعهم، ورئيسين فرنسيين، ومستشار ألماني، والعديد من رؤساء الوزراء البريطانيين؛ فالزمن نفسه هو ما يزيد بوتين قوةً ونفوذاً.

  1. بوتين أصيب بسكتة دماغية

من أوائل الكتابات التي حاولت تحليل بوتين كان مقالٌ نشرته مجلة “ذي أتلانتك” الأميركية في عام 2005 بعنوان “طاغية بالصدفة”، استشهد بكتابات بريندا كونورز، التي وصفها المقال بأنَّها “زميلة البحوث السلوكية” في الكلية الحربية البحرية الأميركية.

بعد دراسة تسجيلات لحركة بوتين، خلُصت كونورز إلى أنَّ لديه عجزاً عصبياً، ربَّما رافقه منذ الولادة جرَّاء إصابته بسكتة دماغية وهو في الرحم، يمنعه من استخدام الجانب الأيمن من جسده بشكل كامل؛ وهذا ما يجعل ذراعه اليسرى تتأرجح أكثر من اليمنى وهو يمشي. وقالت كونورز لـ”ذي أتلانتك” إنَّه من المُستبعد أنَّ بوتين كان يحبو وهو رضيع، وهو ما يزال يتحرَّك بكامل جسده حتى الآن، “بطريقة تشبه الأسماك أو الزواحف”.

صحيحٌ أنَّ هذه الفرضية لا تُغني في التنبؤ بقرارات بوتين السياسية أو العسكرية، لكنَّها تفرض نفسها بقوَّة. فقط عليك تخيَّل بوتين وهو يتحرَّك مثل سمكة بين بشرٍ عاديين يستطيعون استخدام كلا جانبي أجسادهم، فيشعر بالحزن بسبب عجزه.

  1. بوتين عميل للمخابرات السوفييتية

تعود هذه النظرية إلى البدايات: سنوات عمل بوتين ودراسته في المخابرات السوفييتية؛ لتُفسِّر كل شيء.

بالتأكيد شكَّلت المخابرات السوفييتية “كي جي بي” جانباً كبيراً من خبرة بوتين العملية، فقد عمل هناك ما يقرب من 20 عاماً، والكي جي بي ليست مكان عملٍ عادي، بل هي جامعة متكاملة تعمل على تكوين تصوُّر كاملٍ عن العالم لدى من يدرس فيها.

وقد ظلَّ بوتين مخلصاً لجامعة “كي جي بي” وزملائه فيها، فعيَّن العديد منهم في مناصب حكومية رفيعة، وغالباً ظلَّ على صلة بالكثير منهم بعد تعيينه في مكتب عمدة سان بطرسبرغ، لكن الساسة والكُتَّاب الأميركيين (مثل كوندوليزا رايس، وكولن باول، ودك تشيني) يرون كل شيء يفعله بوتين عبر منظار الكي جي بي: إذا ابتسم بوتين لأحدٍ فهو يحاول التلاعب به لأنَّه عميل كي جي بي، وإذا تصرَّف بفظاظة مع أحدٍ فهو يحاول السيطرة عليه نفسياً لأنَّه عميل كي جي بي.

لكنَّ جيسين يرى أنَّ هذه النظرية غير مُرضية لثلاثة أسباب.

الأوَّل هو أنَّ ما يعنيه أمثال رايس وباول وتشيني حين يشيرون إلى ماضي بوتين في الكي جي بي هو أنَّه يرى السياسة لعبة نفوذ، والناس مُقسَّمون فيها إلى عملاء له أو خصوم. ولكن هذه النظرة ليست حكراً على الكي جي بي؛ أليست هذه هي الطريقة ذاتها التي كان يعمل بها دك تشيني؟ ألا يحمل الكثيرون في عالم السياسة هذه النظرة؟

والثاني هو أنَّ المحللين الغربيين يشيرون إلى تاريخ بوتين في الكي جي بي للإيحاء بأنَّه يحمل التصوُّرات السوفيتية الشيوعية كاملةً، ولتصويره بالرمز السوفيتي الشهير (المطرقة والمنجل والنجمة الحمراء). لكنَّ هذا أبعد ما يكون من الحقيقة؛ فصحيح أن بوتين حاكم إمبريالي، لكن الإمبريالية ليست حكراً على السوفييت، وصحيحٌ أنَّه عميل سابق للمخابرات السوفيتية، لكنَّه بالتأكيد ليس متمسكاً بالرؤية الشيوعية للعالم ولا يريد توحيد عمَّال العالم أو مصادرة أملاك البرجوازيين.

والثالث أنَّ الإشارة إلى عملاء الكي جي بي باعتبارهم مجموعة ذات صفات وأفعال واحدة: خداع وشر واغتيالات وسجن للمعارضين، هي إشارة مغلوطة. فالكي جي بي منظمة ضخمة، فيها الأشرار والمهنيون، فيها من نفَّذوا اغتيالات ومن رفضوها، ومن حارب الجريمة ومن حرَّض عليها.

  1. بوتين قاتل

تطرح هذه النظرية، التي سادت الخطاب السياسي الأميركي قبل الانتخابات وبعدها (فكرة أنَّ “بوتين يقتل الصحفيين والمعارضين”) دليلاً ليس فقط على إصداره أوامر القتل والحرب بدمٍ باردٍ أو وجوب عزله من المجتمع الدولي، بل أيضاً على سيطرته الكاملة وقدراته غير المحدودة في إخراس المعارضين وتنفيذ خططه التوسُّعية.

يقول جيسين إنَّه لا يسعى إلى نفي مسؤولية بوتين عن الحروب الدموية في الشيشان، وجورجيا، وأوكرانيا، أو عن ضلوعه في اغتيال الصحافية آنا بوليتكوفسكايا في عام 2006 والمعارض الروسي بوريس نيمتسوف، لكنَّه يشير إلى أن ادعاءات إصدار بوتين أوامر مباشرة باغتيال المعارضين لا يُصدقها إلا القليلون من بين المُطلعين على القضايا، فأصابع الاتهام تُشير أكثر إلى الديكتاتور الشيشاني رمضان قديروف.

وحتى إن كان هذا حقيقةً فهو لا يُعفي بوتين من المسؤولية تماماً، فهو من ثبَّت قواعد سلطة قديروف وما يزال يحافظ على صلاته به.

لكنَّ النظريات المطروحة بشأن بوتين في الإعلام الغربي تفتقر مرةً أخرى إلى الدقة.

فروسيا ليست دولة فاشلة لا تمارس فيها الحكومة أية سلطة، ولا دولة شمولية تتركز فيها كل السلطات بيد الحكومة، بل هي بين الاثنين.

بوتين لا يأمر بالقتل، لكن الاغتيالات تحدث. أمر بوتين بالاستيلاء على شبه جزيرة القرم، ولكن، في أفضل الروايات المطروحة، يبدو أنَّه لم يأمر بغزو شرق أوكرانيا، بل تمَّ الغزو في البداية على يد مجموعة صغيرة من المرتزقة الذين يموِّلهم رجل أعمال روسي مُتنفِّذ، ولم تأتِ القوات الروسية الفعلية إلا لاحقاً.

  1. بوتين حاكم لِص

حتَّى عام 2009 تقريباً، كان جلُّ الانتقادات المُوجَّهة إلى بوتين متعلقٌ بانتهاكات حقوق الإنسان. لكن الناشط في قضايا مكافحة الفساد أليكسي نافالني تمكَّن من تحويل مجرى الاتهامات إلى سرقة أموال الشعب الروسي، وأطلق على حزب روسيا الموحَّدة الذي يقوده بوتين الموحدة “حزب المحتالين واللصوص”؛ وهكذا تحوَّل بوتين من وحشٍ مخيفٍ إلى شيء أبسط ويُمكن التعامل معه: مُجرَّد لص.

كان هذا الاتهام يقف على أرضية صلبة، وإلَّا فلماذا يكون هذا العدد المذهل من أصدقاء بوتين القدامى هم من عباقرة الأعمال؛ إذ أصبحوا مليارديرات في الفترة التي تَلَت وصوله إلى السلطة. لكنَّ يبدو أنَّ الأمر العبقري الذي فعله أصدقاء بوتين المليارديرات هو أنَّهم صادقوا رئيس روسيا المقبل قبل استقالة يلتسين.

هذه العلاقة كانت أساس العقوبات “الموجهة” التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في عام 2014 على “دائرة بوتين المُقرَّبة”؛ أملاً في أن يؤدي ضرب أصدقاء بوتين في أعمالهم إلى إثنائه عن بعض مناوراته السياسة الخارجية المُشينة، خصوصاً في أوكرانيا.

وإذا تساءلت عن السبب الذي جعلنا لا نسمع الكثير في هذه الأيام عن سرقة بوتين لأموال الشعب، فهو في رأي جيسين أنَّ هذه العقوبات لم تنجح في ردع بوتين أو في قلب أصدقائه عليه.

يقول جيسين: “أعضاء حكومة اللصوص لا يدبرون انقلابات ناجحة على الحكم”. أصدقاء بوتين يعلمون جيداً أنَّهم يجب عليهم دعمه مهما كانت الظروف، حتى وإن تضرَّروا وتضرَّر هو نفسه من العقوبات.

يعيش بوتين حياةً متواضعة بدرجةٍ ما. أجل، لديه قصر على البحر الأسود بُنِي بأموال مسروقة، لكنَّه لا يعيش فيه، ومن غير المحتمل أن يعيش فيه في أي وقت مقبل. القصر هو، بطريقةٍ ما، أكثر شيء تفاؤلاً بناه بوتين؛ إنَّه وعدُ تقاعُده في نهاية المطاف، هذا إن لم تُمزقه الجماهير إرباً بينما تقتحم الكرملين وتقضي على حرسه الشخصي.

  1. بوتين هو فلاديمير “لينين”

بعد صدمة فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأميركية، حاول الكثير من الكُتَّاب ربط تحليلاتهم عن التدخُّلات الروسية في الانتخابات لصالح ترامب باسمه الأول الذي يتشاركه مع “فلاديمير لينين” قائد الثورة البلشفية، الذي كان يسعى إلى زعزعة أوروبا.

من وجهة نظر جيسين، قد يُعَد هذا علامةً على فقر الفهم الغربي لبوتين، وإثبات جديد على أنَّ ما يُكتَب عنه في الغرب لا يُعالج بوتين بقدر ما يُعالج قضايا الغرب نفسه وصراعاته؛ فهو قبل الانتخابات الأميركية مُجرَّد أداة لمنع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وأصبح بعد تنصيبه أداةً لتنحيته عن الحكم إذا تثبتت علاقته بروسيا وبوتين وتدخُّل الأخير لصالحه في الانتخابات ضد منافسته هيلاري كلينتون (التي يمقتها بوتين).

ويختم جيسين مقاله: “إذا تمَّ عزل دونالد ترامب وسجنه بتهمة التآمر مع دولة أجنبية لتقويض الديمقراطية الأمريكية، فسأحتفل مثل أي أميركي. لكن على المدى الطويل، فإنَّ استخدام بطاقة روسيا ليس لعبة سياسة سيئة فحسب، بل إفلاس فكري وأخلاقي. إنَّها محاولة لإلقاء اللوم في مشاكل عميقة وباقية في بلادنا على قوة أجنبية. وكما أشار بعض المُعلقين، إنَّها صفحة من كتاب ألاعيب بوتين نفسه” بحسب هافيغنتون بوست عربي.

“إسرائيل” تعرض زيارتها على 26 نجماً بهوليود.. جميعهم رفضوا

عرضت إسرائيل العام الماضي على عدد من النجوم الكبار في هوليوود، من بينهم ليوناردو دي كابريو ومات ديمون وغيرهم، رحلات فاخرة مجانية إلى الدولة العبرية، لكن أحدا من هؤلاء لم يلبّ الدعوة حتى الساعة.ويعتبر نشطاء مؤيّدون للفلسطينيين أنهم حقّقوا انتصارا، إذ يبدو أنّ النجوم ال26 الذي رشّحوا لنيل الأوسكار العام الماضي، لم يوافقوا على القيام بالرحلة التي تشمل جولات خاصة وتُقدّر كُلفتها ب55 ألف دولار أميركي.

وبحسب تقرير نشرته الوكالة الفرنسية 24 ، كان عرض الرحلة إلى إسرائيل جزءا من مجموعة من الهدايا التي قدّمتها شركة تسويق، خلال حفل الأوسكار العام الماضي، وتبلغ قيمة كل هدية 200 ألف دولار تضم الرحلة وهدايا أخرى، مثل ورق حمام باهظ الثمن، ما أثار ردود فعل غاضبة.

واتهمت منظّمات مؤيّدة للفلسطينيين إسرائيل بمحاولة استغلال المشاهير لضمان تغطية إعلامية إيجابية من أجل التقليل من أثر ما تقوم به من انتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلّة.

وقبل أيام من حفل الأوسكار المقبل في 26 شباط/فبراير، لا يبدو أن أيّا من المرشّحين للأوسكار العام الماضي، قام بزيارة إسرائيل.

وأوضحت الشركة صاحبة الفكرة، أن نجمة فيلم “ذا هانغر جيمز” الأميركية، جنيفير لورانس، أرسلت والديها بدلا منها للقيام بالزيارة.

ويقول يوسف منير، من “الحملة الأميركية لحقوق الفلسطينيين” التي قادت حملة إعلامية ضد زيارة نجوم هوليوود مع منظمة “جويش فويس فور بيس، Jewish Voice for Peace” (الصوت اليهودي من أجل السلام) الأميركية، “هذا نجاح. أنا سعيد للغاية أنه لا يوجد أيّ دليل أنهم ذهبوا (الى إسرائيل). أعتقد أنه من الواضح أن هدف استغلال الممثّلين لتجميل صورة إسرائيل قد فشل”.

ورفضت وزارة السياحة الإسرائيلية التعليق على ذلك أو تأكيد أسماء النجوم الذين قبلوا العرض.

“قيمة هائلة”

وقبل أن يحصد ليوناردو دي كابريو جائزة أفضل ممثّل عن فيلم “ذي ريفننت، The Revenent” العام الماضي، أعلنت وزارة السياحة الإسرائيلية أن المرشّحين في خمس فئات في الأوسكار، بالإضافة إلى مقدّم الحفل كريس روك، سيحصلون على رحلات خاصة بهم تشمل السفر في الدّرجة الأولى والنزول في فنادق فاخرة.

وأعلن مسؤولون اسرائيليون وقتها أنهم يرغبون في إظهار “صورة إسرائيل الحقيقية”.

وقال المدير العام لوزارة السياحية الإسرائيلية عمير هاليفي لوكالة فرانس برس في حينه “لكلّ واحد من هؤلاء المشاهير ملايين المتتبّعين. كل مشهور قد يأتي لزيارتنا بإمكانه نشر صورة ذاتية له من مكان ما عبر الانترنت ولهذا الأمر قيمة هائلة”.

وقام نشطاء مؤيّدون للفلسطينيين في الولايات المتحدة بوضع إعلانات في صحيفة “لوس انجلوس تايمز” تحثّ الممثّلين على عدم القيام بالزيارة.

ثم قام النشطاء بمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام العادية. ويقول منير إن لا دليل “حتى الآن” بأن أيّا منهم زار إسرائيل.

ويقول سام جي من موقع “اكسبلور ايزرائيل دوت كوم” التي قدّمت الفكرة، ان جنيفر لورانس قدّمت الرحلة لوالديها كهدية عيد ميلاد، وقدما إلى إسرائيل.

وكان الممثل مارك ريلانس الذي حاز على جائزة أفضل ممثل مساعد، والمنتقد لسياسات إسرائيل، أكد لوكالة فرانس برس العام الماضي أنه لن يقوم بزيارة الدولة العبرية.

وتقول المتحدّثة باسم “الصوت اليهودي للسلام”، جارانتي سوسنوف، إنّ هذا الموقف يأتي في اطار حملة واسعة للمقاطعة الثقافية.

وتضيف “أثارت حملتنا ضجة. وقمنا بالإخلال بالترويج ل”علامة إسرائيل” كأمر طبيعي”، مشيرة أن الحملة “ذكّرت نجوم هوليوود أن هناك تكلفة اجتماعية لربطهم بالاحتلال العسكري”.

انتقال الى “اليسار”

ويقول الباحث في العلاقات الاسرائيلية-الأميركية دان روتيم إن إسرائيل أرادت استغلال النجوم “كطريقة لكسر الانطباع أن هناك نوعا من العزلة أو المقاطعة”.

ويخضع الموسيقيون الذين يقدّمون حفلات في إسرائيل لضغوط من حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل “بي دي اس”، مع وجود مغني “بينك فلويد”، روجر واترز، بين الداعمين للحركة.

وفي الأسابيع الأخيرة، أعلنت سلسلة من الفرق الغنائية بينها “راديو هيد”، أنها ستعقد حفلات غنائية في إسرائيل، ما دفع صحيفة “هارتس” اليسارية الإسرائيلية للتساؤل أن كانت حركة مقاطعة إسرائيل تفشل.

وأُثير الجدل مرة أخرى الأسبوع الماضي بعد أن رفض عدد من لاعبي كرة القدم الأميركية القدوم في رحلة إلى إسرائيل، بينما انضم 5 من أصل 11 فقط إلى الرحلة بعد مباراة “سوبر بول. “

وكان مايكل بينيت من فريق “سياتل سيهوكس” صرّح قائلا “لن يتم استغلالي” من جانب إسرائيل.

وأكد بينيت في بيان “عندما أتوجّه إلى إسرائيل، وأنا أخطّط للذهاب، فإنني لن أرى إسرائيل فقط بل الضفة الغربية وقطاع غزة لأرى كيف يعيش الفلسطينيون الذين يسمّون هذه الأرض وطنهم”.

وزار الممثل الأميركي تشاك نوريس اسرائيل هذا الشهر والتقى برئيس الوزراء بنيامين نتانياهو.

إلاّ أن روتيم يشير بأن الدولة العبرية تبحث عن جذب شخصيات أميركية يسارية من الديمقراطيين كغالبية ممثلي هوليوود.

وتراجعت شعبية إسرائيل لدى الديموقراطيين في الولايات المتحدة. وبحسب مركز “بيو” للأبحاث، فانّ نسبة الديموقراطيين الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، تضاعفت تقريبا منذ عام 2014. وفي عام 2016، دعم 40% منهم الفلسطينيين مقابل 33% كانوا يدعمون الإسرائيليين.

ويقول روتيم “لم يعد اليسار واليمين في الولايات المتحدة ينظران إلى إسرائيل من المنظور نفسه”.

ترامب: أريد من “إسرائيل” أن تتصرف بـ”عقلانية” لتحقيق السلام

كتب بوعز بسموت في صحيفة «إسرائيل اليوم» العبرية:

لقد سافرت بالطائرة مرات كثيرة في حياتي إلى مدن كثيرة. ولكن الرحلة 217 على متن «بريتش إيرويز» من لندن إلى واشنطن يوم الخميس لن أنساها في حياتي، خصوصاً الهبوط الذي بدا مثل أيّ هبوط. فقد كنت مرتاحاً وعجلات الطائرة لامست أرض المطار الدولي في دالاس الذي يبعد 45 دقيقة عن العاصمة واشنطن، أنا أبحث في الهاتف الذكي عن الالتقاط. في وقت كانت الطائرة تتوقف، شاهدت الرسائل الدراماتيكية التي أرسلت لي أثناء الرحلة: البيت الأبيض قام بإبلاغي أن لقائي مع رئيس الولايات المتحدة سيكون في الساعة الرابعة والنصف، والساعة في حينه كانت الثانية وخمسون دقيقة. يمكنكم تخيّل الضغط الذي قد يصيبكم عندما تدركون أنه يمكن تفويت لقاء مع رئيس العالم الحرّ، ضاعفوا هذا الامر مئة مرة، وستدركون الضغط الذي شعرت به.

توجهت إلى المضيفة وطلبت منها أن أكون أول من يخرج من الطائرة لأن رئيس الولايات المتحدة بانتظاري. وبعد أن قالت لي بمزاح إن إليزابيث ملكة بريطانيا بانتظارها، سمح لي طاقم الطائرة بالخروج أولاً.

ما هو سبب الزيارة؟ البيت الأبيض

الموظف الذي يفحص حوازات السفر، فوجئ وسألني عن سبب الزيارة. «لديّ لقاء مع رئيس الولايات المتحدة بعد ساعة وربع». ولحسن الحظ تفهم الامر، أو اعتقد أن من يقف أمامه لم يستيقظ بعد من الرحلة أو أنه يمزح معه. وفي جميع الحالات كنت محظوظاً لأن الشخص اعتبر أنني غريب أو أنني أمزح. موظف آخر كان يمكنه الاعتقاد أن المسافر الذي يقف أمامه والذي جاء من الشرق الاوسط عن طريق لندن، يريد إلحاق الأذى بالرئيس. في الولايات المتحدة هذه مخالفة فدرالية شديدة قد أن توصلني إلى التحقيق. كيف ستشرح لهم أنك ستلتقي مع الرئيس وأنك لم تسقط على رأسك. في جميع الاحوال، خرجت بسبب الموظف من قسم فحص الجوازات، وخلال دقائق كنت في السيارة التي كانت بانتظاري وأقلّتني إلى جادة بنسلفانيا 1600.

لقد كنت منفعلاً جداً.

بعد الفحص الأمني السريع رافقتني ضابطة صحافة محببة من أجل انتظار موعد المقابلة في «ويست وينغ لوبي».

«كيف حالك، يا بوعز؟»، كان هذا صوت المتحدّث بلسان السفارة بالعبرية، الذي جاء للإعداد لزيارة رئيس الحكومة، مع نظيره من قسم الاعلام. ما الذي تفعله هنا، سألني. وأجبت «أنا ايضاً لي لقاء مع أحد الموظفين». كان لدونالد ترامب يوم حافل مثل باقي الايام. بدأه بتغريدات في «تويتر» حول مرسومه الرئاسي وأنهاه بمحادثة هامة مع رئيس الصين، إضافة إلى التغريدات الحربجية. ورغم البرنامج الحافل وافق على استضافتي في المكتب البيضوي.

لا تنقص ترامب اللقاءات في هذه الايام: بعد زيارة ملك الاردن عبد الله بعشرة ايام وصل لزيارته صديقه رئيس حكومة اليابان شنزو آبي. وقريباً سيصل إلى واشنطن صديق آخر لترامب هو رئيس حكومة «إسرائيل» بنيامين نتنياهو. هذا على رغم أنه لم يمر شهر على وجود ترامب في المنصب.

شعرت وأنا في الطريق للقاء ترامب بأنني ذاهب لإغلاق الدائرة: منذ اللقاء الاول في لاس فيغاس في كانون الاول 2015، حيث كان حسب ما جاء في وسائل الاعلام «مرشح من دون فرصة»، حدثت امور كثيرة، بما في ذلك حملة متقدة تعرض فيها للهجوم من جميع الاتجاهات، لكنه أثبت للجميع صعوبة الهجوم على ماركة. الجميع هاجمه هو وزوجته، لكنهم نسوا التحدث مع الشعب. وهو نفسه هاجم خصومه لكنه لم ينس التحدث مع الشعب بلغة الشعب.

«هذا هو الصحافي الذي كان نزيها معي وقال لي إنني سأفوز»، هذا ما قاله ترامب لمستشاريه. وعندما دخلت إلى مقر قيادة العالم شعرت بأنني أغلق اليوم الدائرة في الغرفة البيضوية.

«تعال، هيا لنُجرِ المقابلة هنا»، ترامب طلب مني الاقتراب من طاولته كي أشعر بالراحة. «كيف حالك»، سألني بشكل مؤدّب ومريح. وأجبته على الفور أننا قد التقينا بضع مرات، لكن الامر هذه المرة مختلف. كان عدد من الوثائق على الطاولة، وهو تحدث بشكل بطيء وهادئ.

هذه هي المرة الاولى التي نلتقي فيها وأنت رئيس. أليس هذا تغييراً كبيراً؟

«هذا بالفعل تغيير. دائماً كنت نزيها معي، لذلك أنا أجري هذه المقابلة معك. دائماً كنت نزيهاً وكانت إسرائيل هامة بالنسبة إليّ، وأنت تمثّل الكثير مما يحدث في إسرائيل، وهذا احترام كبير بالنسبة إليّ».

كيف تشعر بكونك الشخص الأهم في العالم؟

«لا أفكر في الامر بهذا الشكل، بل أفكر بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقي. هناك مشكلات كثيرة في العالم وأنا آمل أن ننجح في حلها. نحن نتقدم بشكل ملحوظ، لكن هناك مشكلات صعبة، ليس فقط الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. فهناك صراعات في كل العالم».

لقد قمت بمتابعة حملتك الانتخابية وكنتُ من بين القلائل الذين اعتقدوا أنك ستفوز. شاهدتك ليلة الفوز. ما أوّل شيء فعلته عندما أدركت بأنك فزت؟

«كان ذلك مساء رائعاً. لم أكن متفاجئاً لأنني رأيت الجمهور الكبير الذي استقبلني اثناء الحملة الانتخابية. كان الانتصار رائعاً، وهذا يعتبر حدثاً له شعبية. بعد الانتخابات بيوم تلقيت الكثير من المكالمات من الزعماء: الصين، روسيا ودول كثيرة، وكذلك من رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو».

كيف ستبدو أميركا بعد أربع أو ثماني سنوات؟

«آمل أن يكون العالم أكثر استقراراً وغير منقسم كما هو الآن. آمل أن يكون السلام أكبر. الآن هناك غضب كبير في أرجاء العالم».

هل تأمل أن يكون استقرار أكبر في الشرق الاوسط؟

«نعم، هذه المنطقة هي الاكثر انقساماً ودماراً منذ خمس سنوات».

بين سؤال وآخر، كان ترامب يفحص الأوراق أمامه، وكان ستيفن ميلر يجلس معنا، وهو المستشار اليهودي الرفيع للرئيس. وفي هذه الايام يساعد ميلر الرئيس في موضوع مرسوم منع دخول مواطني الدول السبع. وكان من بين من صاغوا هذا المرسوم من وراء الكواليس. وأثناء إجراء المقابلة مع الرئيس جلس وسجل النقاط.

تحدثنا عن علاقتك مع «إسرائيل» ونيّتك أن تكون صديقا لها. ما هي خطتك لتحسين العلاقة بين الدولتين بعد ثماني سنوات من إدارة أوباما؟

«علاقتنا ستكون أفضل، بحسب رأيي. كان الاتفاق مع إيران كارثياً بالنسبة إلى إسرائيل، لا يمكن استيعابه سواء من ناحية المفاوضات أو من ناحية التنفيذ. كل ما يتعلق بهذا الاتفاق هو سيّئ. وأنا كرجل اعمال أعرف أطراف الاتفاق واستطيع معرفة الاتفاق السيئ والاتفاق الجيد. لا يمكن فهم هذا الاتفاق. وهو محزن. يمكن رؤية كيف تتصرف إيران: بدل أن تشكر أوباما على الاتفاق الذي كان في صالحها، تتصرف الآن بوقاحة. وقد بدأت في هذا التصرف قبل مغادرة أوباما البيت الأبيض. للأسف أن اتفاق كهذا قد حصل».

ما هو انطباعك إزاء نتنياهو اثناء اللقاء في أيلول؟ هل هناك كيمياء بينكما؟

«نعم، هناك كيمياء، هو شخص جيد ويريد فعل الصحيح لإسرائيل، ويريد صنع السلام، يريده من أعماق قلبه. يجب أن يكون اتفاقاً جيداً لأنه يمثل إسرائيل. لقد أحببته دائماً. هو يريد صنع اتفاق جيد لإسرائيل، والاتفاق يجب أن يكون كذلك».

سألتك ثلاث مرات، وسأسأل مجدداً، متى ستقرّر نقل السفارة الأميركية إلى القدس؟ وهل تتوقع الحصول على مقابل من «إسرائيل»؟ هل يجب على «إسرائيل» فعل شيء من أجل تطبيق قرار كهذا؟

«أريد من إسرائيل التصرف بشكل معقول في كل ما يتعلق بالسلام. أريد أن يصل السلام، ويجب أن يصل بعد كل هذه السنين. يبدو أن الناس تعبوا من الحرب. ويمكن أن يكون هناك سلام أكبر من السلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني. أنا أريد من الطرفين التصرف بشكل معقول، ونحن لدينا فرصة جيدة لذلك».

وماذا عن السفارة؟

«أنا أفكر في الامر. وأنا أفحص الأمر وسنرى ماذا سيحدث. هذا ليس قراراً سهلاً، وقد تم النقاش فيه لسنوات طويلة. لم يرغب أحد في اتخاذ قرار كهذا وأنا أفكر فيه بشكل جدّي، وسنرى ماذا سيحدث».

البيت الأبيض قال إن المستوطنات ليست عقبة أمام السلام. هل ستتحدث مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في ذلك؟

«المستوطنات لا تساعد العملية السلمية. هناك كمية محدودة من الاراضي، وفي كل مرة تقوم إسرائيل بأخذ الاراضي من اجل بناء المستوطنات، تصبح الاراضي أقل. هي ليست قوة ايجابية بالنسبة للاتفاق. نحن نفحص الامر ونناقش خيارات اخرى. وأنا لا اؤمن بأن التقدم في ظل وجود المستوطنات سيساعد على السلام».

هل سنرى أن الولايات المتحدة ستندّد بـ«إسرائيل» بشكل كبير أثناء فترة ولايتك؟

«لا، أنا لا أريد التنديد بإسرائيل. لقد كان لإسرائيل تاريخ طويل من التنديد والصعوبات، وأنا لا أريد التنديد بها أثناء ولايتي. أنا أعرف إسرائيل جيداً وأحترمها. وهي مرّت بفترات صعبة جداً، لكنني أريد تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، بل وأكثر من ذلك. أعتقد أن السلام بالنسبة إلى إسرائيل سيكون ممتازاً وليس جيداً فقط».

أنت تتحدث دائماً عن أنه يجب عقد صفقات جيدة في عالم الاعمال. أليس من الاجدر أن يقدّم الفلسطينيون أيضاً التنازلات؟

«نعم، بالطبع. يجب على الفلسطينيين التفكير بالاتفاق الجيد. الاتفاق يجب أن يكون جيداً للجميع. وأي اتفاق لن يكون جيداً اذا لم يكن مناسباً. نحن الآن في عملية استمرت لعقود كثيرة، وهناك الكثيرون ممن يعتقدون أنه يمكن فعل ذلك. يعمل معي اشخاص حكماء يعرفون إسرائيل ويعرفون الفلسطينيين ويعتبرون أنه لا يمكن صنع اتفاق. أنا لا أوافق على رأيهم، وأعتقد أنه يمكن التوصل إلى اتفاق ويجب عمل الاتفاق».

ترامب يجيب بأدب على الأسئلة مع الكثير من الدفء، لكنه يعرف حجم المسؤولية الملقاة عليه كرئيس. هذا الثقل الكبير قام بترويضه قياساً مع التصريحات التي قالها وهو مرشّح.

النغمة تغيّرت تجاه «إسرائيل» لأن هناك اعتبارات اخرى، لكن الخطوط لم تتغير. رغم أن ترامب كان في اللقاء مختلفاً، إلا أنك تشعر بأنه رئيس صديق ولا يخجل من قول إنه ما زال يفحص الامور المختلفة.

لقد قالوا إنك تريد عزل إيران ومنعها من بناء علاقات جيدة مع روسيا. كيف ستفعل ذلك وما الذي تستطيع «إسرائيل» فعله للمساعدة في هذا الامر؟

«لا أعتقد أنني قلت ذلك. وأنا أعتقد أن إيران لم تقدر الصفقة التي منحتها إياها إدارة أوباما. وأنا لا أفكر بمفهوم العزل أو تصريحات أخرى. إضافة إلى ذلك هم ينكرون الجميل بخصوص اتفاق لم يكن من المفروض أن يتم».

هل يمكن العودة إلى فرض العقوبات الدولية؟ هل يمكن أصلاً إلغاء الاتفاق؟

«لا أريد التحدث في هذا».

لقد فرضت مؤخراً عقوبات جديدة على إيران ردّاً على محاولة إطلاق صاروخ بالستيّ، وقلت إن الجميع الخيارات توجد على الطاولة. هل يمكن الضغط على إيران بشكل ناجح؟

«سنقرر في خصوص إيران. لا أريد الردّ هنا. لديّ الكثير من الافكار السيئة والجيدة حول إيران، ولا أريد الكشف عما أخطّط له. أنا لست شخصاً يتحدث عما يخطّط له. لكنني أريد القول لها أن تتحدث معنا باحترام بسبب الاتفاق الرائع الذي حصلت عليه».

هل ستزور «إسرائيل» يوماً؟

«أكيد سأزور إسرائيل».

سؤال أخير: ما الذي تريد قوله لـ«الإسرائيليين» قبل مجيء رئيس الحكومة؟

«أنا أحترم إسرائيل والإسرائيليين. نحن نريد أن نرى السلام، ونعتقد أنه سيكون في صالح الإسرائيليين. ونريد السلام الذي يبقى إلى الأبد وليس مجرد سلام لبضعة أشهر، تندلع بعده الحرب. آمل من الطرفين أن يتعاملا برأس منفتح. وأعتبر أن السلام سيكون هاماً للطرفين».

في ختام اللقاء، تحدّثنا عن الاولاد. وقال لي إنه يشارك احياناً في وجبة السبت مع ابنته إيفنكا وزوجها، ويرى كيف يقومون بالصلاة. بالنسبة إليه هذا أمر عاديّ. ولكن بالنسبة إلينا، لدينا صديق في البيت الأبيض.

حرب بوتين السيبرانية هدفها إطاحة مركل حامية الليبرالية في أوروبا

رفع تدخّل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية من منسوب مخاوف القادة الأوروبيين من قرصنة الكترونية روسية تستهدف قاعدة بيانات ومعلومات ومراسلات الأحزاب الأوروبية الليبيرالية للتأثير في مسار الانتخابات التشريعية المرتقبة هذا العام في ثلاث دول هي : ألمانيا وفرنسا وهولندا. وتزايدت شكاوى دول في اوروبا في مقدمتها ألمانيا والتشيك وفرنسا وبلغاريا والسويد ودول البلطيق وغيرها، من هجمات سيبرانية روسية بهدف تقويض انظمتها الديموقراطية وأمنها القومي. وأعلنت المفوضة العليا للشؤون السياسية والأمنية في الاتحاد فيديركا موغيريني عن وضع آليات لمراقبة ودحض ما سمته حملة( تضليل اعلامي روسية) لتشويه الديموقراطية الأوروبية.

وكشفت وكالة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) في ألمانيا عن «هجوم الكتروني ضد حواسيب منظمة الأمن والتعاون الأوروبي». وقال رئيسها هانز- غيورغ مانسن:» تحليلاتنا اثبتت ان البنية التحتية للهجوم هي نفسها التي انطلقت منها هجمات سابقة طاولت البرلمان الألماني مصدرها روسيا» تقوم بها مجموعة ( ايه تي ار28 ) وتعني» التهديد المتواصل المتطور». ويقول الخبير في الشؤون الألمانية ألكسندر أندرييف:» تأكد للسلطات الألمانية ان روسيا تسعى للتأثير في انتخابات البوندستاغ « بطريقين: شن حملة لنشر المعلومات الزائفة التي من شأنها زرع مشاعر انعدام الأمن في الأوساط الاجتماعية وخلق حالة من الارتباك والاضطراب لدى الناس، والهجمات السيبرانية ضد حواسيب المؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية بغية الوصول الى معلومات سرية ومن ثم نشر بعضها خارج سياقاتها للتأثير في خيارات الناخبين في الاقتراع.

وقال فولفغانغ بوسباخ مستشار الشؤون الخارجية في الحزب الديموقراطي المسيحي بزعامة مركل:» تجري محاولات عبر التسلل من الخارج بهدف التلاعب بحقائق ومعلومات في الانتخابات التشريعية لزعزعة استقرار بلدنا». ورأى مصدر ديبلوماسي أوروبي رفيع في تصريح نقله موقع صحيفة «هافينغتون بوست» ان « المستشارة مركل هي الهدف الأول لحملة التضليل الإعلامي الذي تشنها روسيا، مرجحاً ان تتسع هذه الحملة مع اقتراب الانتخابات».

حروب التضليل

تعد الرابطة المتغيرة في المعلومات المتاحة بين مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي برأي خبراء الميديا» مدخلاً مثالياً للتضليل المعلوماتي». وحذرت السلطات الألمانية من دعاية تقوم بها روسيا من خلال مواقع ومنصات مختلفة للتأثير في الانتخابات لمصلحة التيارات الشعبوية. وتوقعت اجهزة الأمن حصول هجمات محتملة على البنى التحتية مثل محطات توليد الطاقة او المستشفيات مماثلة للهجوم الذي تعرضت له دويتشه تيلكوم ، والبوندستاغ عام 2015. في هذا السياق كشفت شركة الحماية الإلكترونية (ترند ميكرو) عن هجوم روسي ضد منظومة حواسيب الحزب الديموقراطي المسيحي، اضافة الى شركتي خدمات الرسائل الإلكترونية في ألمانيا (جي إم اكس) و ( ويب . دي). وذكرت مجلة «شبيغل» نقلاً عن مصادر امنية» ان السلطات الأمنية تمتلك أدلة داحضة عن تورط روسيا في شن هجمات سيبرانية عرفت باسم ( سوفاسي /آي بي تي 28) تهدف الى جمع معلومات ذات اهمية استراتيجية، وهجمات اخرى تحمل تسمية ( حملة ساندوروم) التي هدفها تخريب المعلومات»، وقالت المجلة « ان الإنترنت تحول الى ميدان لحرب هجينة» كما فتح مجالات واسعة للتجسس والتخريب». ووفق المحللة الفرنسية نتالي غيبير فإن» لا فائدة ترجى من المظلة النووية الأميركية في نزاعات جديدة تسمى هجينة».

في كتابه الصادر في 2004 بعنوان «عصر ما بعد الحقيقة: نقص الأمانة والخداع في الحياة المعاصرة»، يقول المفكر الأميركي رالف كييس : « في الماضي، كانت الحقيقة والأكاذيب. اليوم لدينا الحقيقة والأكاذيب اضافة الى بيانات لا يعتد بها، وعلى قدر ما هي ثانوية لا تفند ولا يقال انها خاطئة ومضللة». ويضيف: «في عالم ما بعد الحقيقة والوقائع تلتبس الحدود بين الحقيقي والخيالي، وبين النزاهة وغيابها، وبين الخيال والواقع الفعلي».

رصدت الأجهزة الأوروبية ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الهجمات السيبرانية ضد المفوضية الأوروبية خلال العام الماضي وقالت انها تجاوزت 110 هجمات، ونبه المفوض الأوروبي للأمن جوليان كينغ في تصريح نقلته صحيفة «فايننشال تايمز» الى «ان هذه التهديدات اصبحت منتظمة وعدوانية الى حد انها يمكن ان تتحول في اي لحظة الى تدميرية». وقال: «ان الهجمات التي تسبب اكبر الأضرار هي تلك التي تستهدف الديموقراطية الأوروبية».

ووفقاً لخبراء الأمن المعلوماتي فإن» الهجمات السيبرانية المختلفة والمتعددة تلجأ الى وسائل وأدوات متشابهة، الا انها تحرص على اخفاء مصدرها وهوية الطرف الذي يديرها». وصدرت تعليمات مشددة من المفوضية الأوروبية الى موظفي جميع الهيئات والمؤسسات الأوروبية تلزمهم استخدام عناوين إلكترونية مشفرة، وسارعت المفوضية الى تفعيل وتوسيع تعاونها في مجال الأمن المعلوماتي مع حلف الأطلسي. وتجري مشاورات على اعلى المستويات في المنظمتين حول كيفية التصدي للهجمات السيبرانية التي تشنها روسيا والرد عليها بأقصى العقوبات.

وتشير بيانات الـ «ناتو» الى ان عدد الهجمات الإلكترونية التي تعرضت لها حواسيب الحلف خلال شهر واحد فقط من عام 2015 بلغ اكثر من 320 هجوماً، وأبلغت مصادر اطلسية رفيعة الصحيفة نفسها «ان هذه الهجمات تميزت بتصاعد تدريجي فعال في قوتها التدميرية مع تحسن نوعيتها وشدة تعقيدها».

هيئات مضادة وأموال اضافية

خصص الاتحاد الأوروبي مبالغ بقيمة 860 ألف يورو اضافية لفريق العمل «إيست ستراتكوم» المكلف برصد وصد الهجمات الإلكترونية الروسية، وتفنيد المعلومات المضللة التي تبثها موسكو عبر مواقع ومنصات متعددة للتاثير في امزجة الرأي العام في الدول الأوروبية». وكانت هذه الهيئة انشئت في خريف عام 2015، وتتألف من 11 موظفاً يتولون مهمة الرد على الهجمات والدعاية الإلكترونية. ويقدر مسؤولون اوروبيون «ان روسيا تنفق بليون دولار سنوياً على وسائل اعلامية مملوكة للدولة مثل قناة روسيا اليوم ووكالة سبوتنيك للأنباء وغيرهما، كما ورصدت موازنة خاصة لعدد كبير من الشركات وكلفتها بمهمة اغراق مواقع التواصل الاجتماعي بمواد نقدية وساخرة معادية للديموقراطية الغربية».

قام طاقم «ايست ستراتكوم» بعمل مكثف استغرق اكثر من 15 شهراً تمكن خلالها من رصد وتحديد 2500 موقع الكتروني بـ 18 لغة تمولها روسيا بهدف نشر معلومات وقصص مختلقة ومعلومات كاذبة تركز على الإساءة للمستشارة مركل وتتهمها بالتسبب في تقويض امن ألمانيا وأوروبا بفتح الحدود امام اللاجئين والمهاجرين من الشرق الأوسط.

تنبهت فرنسا الى أخطار وتهديدات سيبرانية قد تتعرض لها خلال الانتخابات العامة التي ستجرى في آيار (مايو) من العام الجاري وذلك بعد تدخل روسيا في الانتخابات الأميركية لمصلحة ترامب، وبعد اعلان ألمانيا تعرضها لهجمات الكترونية قوية من روسيا. وقال وزير الدفاع الفرنسي جان ايف لودريان» ان الجيش الفرنسي سيعزز موارده للتصدي لأي هجمات الكترونية»، وأضاف في تصريح نقلته عنه اسبوعية «لو جورنال دو ديمانش» الفرنسية» ان هناك خطراً حقيقياً بوقوع هجمات إلكترونية على البنية الأساسية المدنية مثل شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والنقل، بالإضافة الى هجمات ضد الديموقراطية ومؤسسات الميديا». وكشف الوزير «ان عدد الهجمات الإلكترونية التي تعرضت لها وزارته تضاعف خلال العام الماضي، ولكنها نجحت في احباط 24 ألف هجوم استهدفت تعطيل انظمة الطائرات الفرنسية بلا طيار»، وأكد «ان عدد الجنود الرقميين في الجيش الفرنسي سيتضاعف الى 2600 بحلول عام 2019 بدعم من 600 خبير إلكتروني اضافيين». مشدداً على «ان فرنسا في حال تعرضت لهجوم الكتروني جديد سترد بنفس القوة وبالأسلحة التقليدية ايضاً».

ولا تخفي موسكو ارتياحها للمرشح الرئاسي المحافظ فرنسوا فيون الذي اشاد بالرئيس بوتين وقال انه يريد تحسين علاقات بلاده مع روسيا». كما لا يخفي الكرملين علاقته مع مرشحة اليمين القومي المتطرف مارين لوبان التي مول حملاتها في الانتخابات المحلية العام الماضي.

فريق قراصنة بوتين

السويد هي الأخرى اشتكت من هجمات إلكترونية متزايدة في العام الماضي. وكشف المتحدث باسم وكالة الاستخبارات الوطنية في حديث إلى التلفزيون الوطني «ان بلاده تعرضت العام الماضي الى 100 ألف هجوم سيبراني بمعدل 10 آلاف هجوم في الشهر». وأوضح «ان هدف الهجمات هو سرقة معلومات سرية، واستخدام الحواسيب المستخدمة في المؤسسات السويدية في هجمات إلكترونية ضد دول ثالثة». وأقر رئيس الحكومة ستيفان ليوفن أن بلاده تواجه مجموعة تهديدات جدية في مجال الأمن، من بينها أخطار الهجمات السيبرانية».

وتوافرت ادلة داحضة لدى شركة «كراود سترايك» لأمن المعلومات الأميركية عن مجموعتي قرصنة هما «فانسي بير» و «كوزي بير» الأولى ترتبط بجهاز الأمن الفيديرالي الروسي (إف إس بي) فيما الثانية ترتبط بجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية ( جي آر يو). ويجمع الخبراء على «ان الهاكرز الروس بارعون، وهذا تقليد متوارث من عهد الاتحاد السوفياتي عندما كان رائداً في التجسس الاقتصادي». وذكر رئيس تحرير موقع «أجينتا رو» المتخصص في قضايا التجسس أندري سولداتوف انه «بالنظر الى تاريخ روسيا في الهجمات المعلوماتية، فأنا اميل الى الاعتقاد بأن هناك تنسيقاً بين جهات خاصة وحكومية على اعلى المستويات». يرى الخبير المتخصص في شؤون اجهزة الأمن الروسية مارك غاليوتي «ان جهاز (جي آر يو) اصبح السلاح السري الأثير على قلب بوتين وذراعه الضاربة في الحرب وعالم السيبيرنيطيقيا». ويؤكد المحلل مايكل ويس في مقال كتبه في موقع «ذي دايلي بيست» الأميركي» لقد ثبت ان المسؤول عن الأعمال العدائية المستمرة في اوروبا هي جهة واحدة، الاستخبارات العسكرية الروسية».

دأبت السلطات الروسية منذ فترة على بث تسجيل فيديو ترويجي في وسائل التواصل الاجتماعي، تدعو فيه الشباب الروسي وطلاب الجامعات الذين يتمتعون بمهارات في مجال تقنيات المعلوماتية والشبكات الإعلامية الإلكترونية الى الانضمام للعمل في «الوحدة العلمية» بوزارة الدفاع». وتشكل فريقان من القراصنة احدهما يحمل اسم «الدببة الرائعة» والآخر»الدببة الدافئة». وتحدثت صحيفة «دي فيلت» الألمانية عن ثلاث فرضيات عن هوية العاملين في هذين الفريقين، تتمثل الأولى في انهم ضباط في الجيش الروسي يمتلكون خبرات كبيرة في مجال المعلوماتية» ، فيما الثانية «ان السلطات تعاقدت مع مجموعة من القراصنة الروس للقيام بمهمات محددة»، اما الثالثة « فمن منتمين الى شركات تكنولوجيا الاتصالات الروسية». ويقول الخبير الروسي في مجال امن المعلومات ديمتري ألبيروفيتش» ان الكرملين يبحث بشكل متزايد عن المساعدة من القطاع الخاص وشركات السلامة المعلوماتية».

يشهد العالم الإلكتروني حرباً شرسة بين القوى العالمية تكاليفها لا تقل مأساوية عن الحرب الفعلية، وقد أصبحت الفيروسات والبرامج الخبيثة من أقوى أسلحة هذه الحرب، بعد ان نجح جميع الأطراف في ابتكار فيروسات خبيثة متطورة. ويشير تقرير دولي الى «ان عدد الهجمات الإلكترونية الخبيثة في عام 2010 وصل الى اكثر من 200 مليون هجوم، سببت وفق دراسة اعدتها شركة «سيمانتيك» المتخصصة في مجال مكافحة الهجمات الإلكترونية «خسائر تصل الى 114 بليون دولار». وفي تقرير صدر عام 2011 « ان هذه الهجمات تكلف 274 بليون دولار تنفق لمعالجة خسائرها المادية والتقنية».

الروس فخورون بهيبة بوتين

تحظى سياسات بوتين الهجومية والعدوانية في اوروبا والشرق الأوسط بقبول ودعم متزايد في اوساط المواطنين الروس كونها تشبع نزعاتهم القومية وتذكرهم بأمجاد وتاريخ الدولة السوفياتية متجاهلين ان هدفها هو حرف أنظارهم عن تعقد حياتهم المعيشية مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تعيشها البلاد. ويتضح من استطلاع للرأي اجرته منظمة «الرأي العام» ونشرت تفاصليه وكالة «انترفاكس» الروسية» ان غالبية من شاركوا في الاستطلاع يعتقدون بأن العالم اصبح يخشى روسيا وقوتها الصاعدة، ويرون في ذلك تطوراً نوعياً يخدم المصالح الوطنية الروسية»، فقد اكد 85 في المئة ان العالم اخذ يحسب ألف حساب للقوة الروسية، واعتبر 75 في المئة ان هذا مفيد للغاية، هذا فيما رأى 48 في المئة ان العالم اصبح يتعاطى مع روسيا بشكل افضل مقابل 42 لاحظوا العكس. ورأى 67 في المئة ان نفوذ وتأثير روسيا في العالم يتعاظم في السنوات الأخيرة، وربط 14 في المئة ذلك بتنامي قوة الدولة عسكرياً، فيما عزا 11 في المئة ذلك الى سياسات الكرملين الخارجية، مقابل 7 في المئة اكدوا ان الفضل في ذلك يعود بالدرجة الأساسية للرئيس بوتين». هذا فيما كشف استطلاع اجرته وكالة «رويترز- أبسوس» ان 82 في المئة من الأميركيين يعتبرون روسيا تهديداً مباشراً، وأظهر استطلاع آخر اجرته مؤسسة «يوغوف» ان 59 في المئة من الأميركيين يعتقدون» ان التهديد العسكري الروسي جدي للغاية». ورأى المحلل الروسي في «مركز ليفادا» لاستطلاعات الرأي ألكسي ليفينسون «ان مشاعر الارتياح تعمّ أوساط الروس في ما يخص «ان العالم يخاف منا» وربما تعوضهم عن الخيبة من المشاكل الكبيرة والجدية التي يواجهونها في حياتهم اليومية». وقال» تسود قناعة اكيدة لدى غالبية الروس بأن الجيش الأحمر بعد احتلال القرم والحرب في سورية هو الأقوى من بين كل جيوش العالم».

نقلا عن صحيفة الحياة

24 بلدًا في العالم نجحت روسيا في التدخل في صناعة رؤساءها

بقلم: ليوبوف ستيبوشوفا*

برافدا

في خضم السابق الانتخابي الذي تشهده الكثير من الدول حول العالم، لم تتباه إلا الولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الماضية، ومن جهة أخرى، يبدو أن روسيا الآن تتجه نحو سياسة “القوة الناعمة”، عن طريق العديد من الوسائل، لعل أبرزها المادية.

ولكن ماذا عن الاقتصاد الذي ساهمت روسيا في تدميره؟ وكيف تمكنت من تحويل نفسها إلى مركز إقليمي؟ وهل حقًا تعجز روسيا عن التدخل في أوكرانيا، بينما تمكنت من اختراق الولايات المتحدة الأمريكية؟

نحن غير مستغربين، هذا هو بوتين

تمكنت روسيا من التأثير على انتخابات نحو 24 دولة، على مدى الأربع سنوات الماضية، وفي هذا الصدد، أقر مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية جيمس كلابر، في إحدى جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ الأمريكي، أن هذه المجموعة ربما تشمل أكثر من عشرين دولة.

وأضاف كلابر أن موسكو حاولت التأثير على نتائج الانتخابات والآراء السياسية والشعبية بدرجات متفاوتة في العديد من البلدان، إلا أنه من غير الممكن ذكر أسمائها أو تفاصيل سبل التأثير عليها وفرض النفوذ الروسي داخلها.

وفي السياق نفسه، صرح دبلوماسيون أوروبيون “مما لا شك فيه، ستحاول روسيا التأثير على الحملات الانتخابية القادمة في سنة 2017، كما أنها ستتحرك على نطاق أكبر في سبيل تحقيق هدفها”.

ومن جهتها، صرحت مصادر حكومية ألمانية لصحف محلية: “في هذه المرحلة، لا يمكن الحديث عن الهجمات الإلكترونية والشائعات والحرب الدعائية التي تنتهجها روسيا، ولكن يمكن الإقرار بأن ما تشهده ألمانيا هي حملة انتخابية جديدة في هيئة غير مسبوقة من نوعها”.

أما رئيس لاتفيا السابق فالديس زيت ليرس، فقد أكد في حوار له مع قنوات إخبارية أن الانتخابات المقبلة في مختلف دول العالم ستتأثر بالتدخل الروسي، وستسمح لموسكو بالتغلغل في أعماق هياكل الحكم في هذه الدول.

ومن جانب آخر، أكد دبلوماسيون آخرون أن هذه التصريحات ليست مجرد ادعاءات، وإنما هي مبنية على أدلة تثبت محاولات روسيا النشطة والفاعلة للتأثير على الانتخابات في مختلف الدول، حتى تتمكن من السيطرة على هياكل الحكم مستقبلاً، بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الطموحات الروسية ليست دليلاً على التفكير الإيجابي لروسيا، وإنما هي برهان على أن موسكو لا تفكر إلا في مصلحتها الشخصية ومستقبلها في المنطقة.

   أن روسيا تعتمد بالأساس على أسلوب استراتيجي متميز لتنفيذ مخططاتها، يتمثل في التغلغل في الأجهزة الأمنية للبلدان المستهدفة، ولهذا السبب، حذر الرئيس البلغاري السابق روسين بليفنلييف، الاتحاد الأوربي من التهديد الروسي الذي يعمل على زعزعة استقرار أراضيه

ومن الواضح أن روسيا تعتمد بالأساس على أسلوب استراتيجي متميز لتنفيذ مخططاتها، يتمثل في التغلغل في الأجهزة الأمنية للبلدان المستهدفة، ولهذا السبب، حذر الرئيس البلغاري السابق روسين بليفنلييف، الاتحاد الأوربي من التهديد الروسي الذي يعمل على زعزعة استقرار أراضيه.

وحسب بليفنلييف فإن هناك دلائل كثيرة تؤكد أن موسكو تموّل أحزاب ووسائل إعلام مناهضة لأوروبا، سواء في بلغاريا أو في بقية دول الاتحاد الأوروبي.

ولا يخفى على أحد أن الرئيس البلغاري الجديد رومن راديف، يعتبر من “الموالين لروسيا”، واشتغل راديف سابقًا في منصب قائد للقوات الجوية وقد عرف في أثناء ذلك بتأييده لروسيا ومناهضته للهجرة.

علاوة على ذلك، أعلنت المرشحة الرئاسية السابقة مايا ساندو، بعد هزيمتها في الانتخابات في مولدافيا، نيتها في الطعن على نتائج الانتخابات لدى المحكمة الدستورية، ووفقًا لساندو فإن “الانتخابات لم تكن سليمة ولا نزيهة”، كما أقرت ساندو بوجود تمويلات مادية خارجية دعمت فوز المرشح الثاني.

ربما يصعب تصديق مدى التمادي الروسي وتوسع خطرها، إلا أن فرنسا أيضًا صارت ضمن قائمة الدول التي ستستهدفها روسيا في المستقبل، إذ إن كلا المرشحين الرئيسيين للانتخابات الرئاسية من “الموالين لروسيا” (فرانسوا فيون ومارين لوبان).

وفي هذا السياق، دعا عديد من السياسيين باريس إلى ضرورة اتخاذ التهديد الروسي على محمل الجد، خاصة أن موسكو تعتزم التدخل في الانتخابات الرئاسية للسنة الحالية.

 ومن جهتها، صرحت السياسية الفرنسية ماري لو فيرن: “مثل هذا التدخل غير مقبول، وبالنسبة لنا كبلد يعكس روح الديمقراطية، نحن ملتزمون بدعم سيادة القانون ونزاهة العملية الانتخابية، ولكن الأهم من كل هذا أن التوجهات السياسية الديمقراطية لا زالت قادرة على حماية وتعزيز الثقة لدى العديد من الفرنسيين”.

ووفقًا لنفس السياسية، سيصعب على فرنسا الخروج من الأزمة الوطنية، في حال تمكنت روسيا من التدخل بصورة فعلية داخل أجهزة الدولة، لهذا على الديمقراطية أن تثبت وجودها ونجاعتها وتضمن حقوق المواطنين الفرنسيين.

ومن الواضح، أن بعض الوجوه السياسية تقر ضمنيًا بالتهديد الروسي، وفي الوقت نفسه يبدو أن السياسيين الفرنسيين على وعي بأن الدعاية والتدخل الروسي ليس لغاية اعتباطية.

وعمومًا، يعي المواطن الفرنسي والغربي أن بوتين وروسيا يعملان على دعم انهيار السياسة المحلية الموالية لليبرالية الأمريكية، من أجل خدمة أهداف اقتصادية، وبالتالي، يعلم القادة الغربيون علم اليقين أن عليهم حماية أمن مواطنيهم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي من التهديد الروسي، بالإضافة إلى خطر الإرهاب.

إذا كانت الحياة تسير نحو الأسوأ، فستصبح الدعاية عاجزة

لقد بدأ الليبراليون الجدد يفقدون نفوذهم بين الطبقات الوسطى أكثر فأكثر، إذ لم يشهد أبناء الطبقة الوسطى أي تحسن حقيقي منذ سنة 2009.

ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، لم يتطور نمط عيش العديد من الأمريكيين بالمقارنة مع أبائهم، إذ بقي وضعهم على ما هو عليه، خاصة أنهم مطالبون بدفع ثمن إصلاح نظام الرعاية الصحية من جيبهم الخاص، بالإضافة إلى ذلك، تثير العديد من القضايا العديد من نقاط الاستفهام في ذهن المواطنين الأمريكيين الذين يعجزون عن فهم سبب إضفاء الشرعية على المهاجرين غير الشرعيين.

   أن نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي، لا تدرك بوضوح أين تقع أوكرانيا أو روسيا في خريطة مصالح بلاده الاستراتيجية، في المقابل، أصبحت الظواهر الاجتماعية المختلفة محط اهتمام الأمريكيين، على غرار المراحيض المشتركة للمثليين جنسيًا وظهور الأقليات غير المنضبطة، وتراجع قيم المسيحية في المجتمع

ومن الواضح أن نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي، لا تدرك بوضوح أين تقع أوكرانيا أو روسيا في خريطة مصالح بلاده الاستراتيجية، في المقابل، أصبحت الظواهر الاجتماعية المختلفة محط اهتمام الأمريكيين، على غرار المراحيض المشتركة للمثليين جنسيًا وظهور الأقليات غير المنضبطة، وتراجع قيم المسيحية في المجتمع.

وفي الحقيقة، تعاني أوروبا الغربية من نفس المشكلة، ففي فرنسا أيضًا، ينمو جيل جديد سيعيش للمرة الأولى في تاريخ فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية، ظروفًا أسوأ من تلك التي عاشها آباؤهم وأجدادهم.

وتجدر الإشارة إلى أن الضرائب تنهك الاقتصاد الفرنسي، فضلاً عن أن المواطنين أصبحوا يشعرون بعدم الأمان، ويتكرر نفس المشهد بكل حيثياته في ألمانيا، وبالتالي، لم يعد المواطن الغربي يؤمن بالاستقرار الأوروبي.

أما بالنسبة لأوروبا الشرقية فهناك نموذجان يهيمنان على الساحة، يتمثل الأول في الاستجابة إلى الدعاية الأمريكية، والثاني يتمحور حول الخوف من فقدان السلطة، والذي يبدو أنه لا مفر منه.

وفي هذا الإطار، يعتقد مواطنو أوروبا الشرقية أن التقارب من الاتحاد الأوروبي أدى إلى انحطاط بلدانهم، التي أصبحت تعاني من الركود الاقتصادي وهجرة مواطنيهم إلى باقي الدول الأوروبية، والجدير بالذكر أن كل هذه الظروف أدت إلى تدهور حالة أوروبا الشرقية ووصولها إلى مستوى أفقر بلدان إفريقيا.

مناطق الفوضى، تبعث على الغضب

ترى شعوب أوروبا الشرقية أن بوتين نموذج الرئيس الذي يعمل لصالح شعبه وليس من أجل المال، وفي الوقت ذاته، يعتقدون أن بوتين قادر بالفعل على حماية دولته من التهديد الإرهابي، لذلك يميلون لاختيار رئيس أو قائد مشابه لنموذج بوتين أو له توجهات مماثلة له.

وعمومًا، يعود هذا التغيير إلى اقتناع الشعوب الأوروبية بأن تعاون بلدانهم مع روسيا سيعود بالفائدة عليهم، على جميع الأصعدة، انطلاقًا من المجالات الزراعية وصولاً إلى الصناعات النووية.

ومن ناحية أخرى، يبدو أن المواطنين الأوروبيين على ثقة بأن التعاون مع روسيا سيجعل أوروبا أكثر أمانًا، ولهذا السبب، ساهم صعود الاشتراكي إيغور دودون، إلى الحكم في مولدافيا، في عودة الهدوء إلى البلاد.

ومن المهم أن تعمل البلدان الأوروبية على ضبط الاستقرار في المنطقة وتجنب إثارة الحنق والغضب داخل المجتمع، إذ إن خوف الشعوب من الفوضى التي تجتاح العالم صار وسيلة جديدة لفرض النفوذ الروسي.

*متخرجة من قسم الجغرافيا الاقتصادية من جامعة موسكو، مؤلفة ومحررة وخبيرة في شؤون أميركا اللاتينية وإفريقيا وتجيد اللغة البلغارية